الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بــخُطى واثقة.. محمد الحلبوسي يرسم مستقبل حزب

بواسطة azzaman

بــخُطى واثقة.. محمد الحلبوسي يرسم مستقبل حزب

احمد فكاك البدراني

 

ليست الأحزاب السياسية، في التجربة العراقية على وجه الخصوص،كائنات ثابتة تعيش على رصيد التأسيس، ولا تستطيع أن تضمن بقاءها بمجرد امتلاكها كتلة نيابية أو حضوراً في السلطة. الحزب الذي يريد أن يعيش طويلاً عليه أن يمتلك قدرة متجددة على قراءة المجتمع، وفهم موازين القوة، وإدارة التحولات، والأهم من ذلك كله أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع خطوة، ومتى يصمت، ومتى يخوض معركته حتى النهاية.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة حزب «تقدّم» ورئيسه محمد الحلبوسي؛ لا باعتبارها قصة نجاح مكتملة، ولا باعتبارها تجربة خالية من الأخطاء، وإنما باعتبارها واحدة من أكثر التجارب السياسية العراقية إثارة للانتباه خلال السنوات الأخيرة، لأنها استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تنتقل من حزب حديث التكوين إلى قوة سياسية ذات وزن انتخابي وبرلماني، وأن تجعل اسمها حاضراً في معادلات تشكيل السلطة وصناعة القرار.

تأسس «تقدّم» رسمياً في سياق التحولات التي شهدتها الساحة السياسية العراقية، وقدم نفسه بوصفه حزباً مدنياً ليبرالياً، يستند إلى الهوية العراقية ويؤكد مدنية الدولة واحترام حقوق الإنسان.

    في انتخابات 2021 البرلمانية حقق الحزب 37 مقعداً، ليصبح أحد أبرز الفائزين في الانتخابات، ثم كان محمد الحلبوسي قد عاد إلى رئاسة مجلس النواب في كانون الثاني 2022 للمرة الثانية، في مؤشر على حجم القوة التفاوضية التي كان قد راكمها الحزب ورئيسه.

لكن الأرقام الانتخابية، مهما كانت مهمة لا تكفي وحدها لصناعة حزب مستقر. فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية لكنها لا تمنح بالضرورة القدرة على الاستمرار. والاستمرار يحتاج إلى شبكة تنظيمية وإلى أسلوب  قادر على مخاطبة الناخب وإلى قيادة تستطيع أن تتعامل مع السلطة حيناً .. ومع المعارضة أو الضغط السياسي حيناً آخر.

وهنا تحديداً تبدو شخصية محمد الحلبوسي جزءاً أساسياً من تفسير تجربة «تقدّم».

الحلبوسي.. سياسة الألم والصبر:

في السياسة، لا يقاس السياسي فقط بعدد المعارك التي انتصر فيها وإنما أيضاً بعدد الضربات التي تلقاها ولم تسقطه من المشهد.

والحلبوسي واجه خلال مسيرته السياسية محطات صعبة كان أبرزها إنهاء عضويته في مجلس النواب ورئاسته للمجلس بقرار المحكمة الاتحادية العليا في تشرين الثاني 2023 وهي لحظة كان يمكن أن تتحول إلى بداية انكفاء سياسي طويل.

غير أن ما حدث بعد تلك اللحظة يقدّم درساً مهماً في طبيعة العمل السياسي: الخروج من موقع دستوري رفيع لا يعني بالضرورة الخروج من السياسة.

لقد انتقل مركز الثقل من الموقع الرسمي إلى الحزب، ومن رئاسة المؤسسة الدستورية إلى إدارة القوة السياسية من خارجها.

وهذه ليست عملية سهلة؛ لأنها تتطلب من السياسي أن يعيد تعريف دوره وأن يقنع جمهوره بأن نفوذه لا يرتبط حصراً بالكرسي الذي كان يجلس عليه.

وهنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«سياسة الألم» عند الحلبوسي؛ أي القدرة على تحمل الخسارة السياسية وعدم تحويلها إلى انكفاء أو انفعال بل إعادة صياغتها ضمن مشروع سياسي جديد.

إن السياسي الذي يتألم ثم ينسحب ينتهي دوره غالباً مع انتهاء موقعه .. أما السياسي الذي يحوّل الألم إلى خبرة والخسارة إلى مراجعة والضغط إلى إعادة ترتيب للأوراق فإنه يستطيع أن يعود إلى الملعب من موقع مختلف.

المناورة ليست تراجعاً:

السياسة ليست طريقاً مستقيماً.

 

إنها مساحة واسعة من التقاطعات، اذ لا يستطيع السياسي أن يختار دائماً بين الأبيض والأسود، بل يجد نفسه أمام درجات متعددة من الرمادي، وتحالفات مؤقتة، ومصالح متغيرة، ومواقف تحتاج إلى التوقيت أكثر مما تحتاج إلى الصخب.

ومن هنا تبدو قدرة الحلبوسي على المناورة السياسية واحدة من أهم عناصر تجربة «تقدّم».

والمناورة، إذا كانت محكومة بالمصلحة العامة وبقواعد النظام السياسي ليست بالضرورة انتهازية؛ بل قد تكون فناً من فنون إدارة القوة.

فالسياسي الذي يدخل كل معركة بكامل قوته ويعلن كل مواقفه مسبقاً ويحرق جميع جسوره قد يحقق انتصاراً لحظياً لكنه يخسر قدرته على الحركة مستقبلاً.

أما من يعرف كيف يفاوض ثم وكيف يساوم وكيف يحافظ على خطوط الاتصال وكيف يترك لنفسه أكثر من باب .. فإنه يستطيع أن يكون حاضراً حتى في الظروف التي لا تكون فيها موازين القوى لمصلحته.

وهذا تحديداً ما يفسر جانباً من قدرة «تقدّم» على البقاء في دائرة التفاوض السياسي العراقي.

من الحزب إلى الدولة:الاختبار الحقيقي لأي حزب لا يبدأ عندما يحصل على المقاعد، وإنما عندما يحصل على الوزارات.

فالمقاعد يمكن أن تكون نتيجة خطاب انتخابي ناجح، أما الوزارة فتضع الحزب أمام امتحان يومي:

ماذا فعل؟

ماذا أنجز؟

وما الذي تركه بعد انتهاء فترة الوزير؟

في حكومة محمد شياع السوداني حصل «تقدّم» على حقائب التخطيط والصناعة والثقافة وهي حقائب مختلفة في طبيعتها لكنها شديدة الصلة بمشروع الدولة والتنمية والاقتصاد والهوية الثقافية.

وفي وزارة التخطيط، ارتبط اسم محمد علي تميم بملفات ذات طبيعة استراتيجية من بينها معالجة المشاريع المتلكئة وتطوير الخطط التنموية ومكافحة الفقر وجاء التعداد السكاني ورأس المال البشري. وقد أعلنت الوزارة أنها عملت على معالجة مشكلات عدد منالمشاريع المتلكئة، كما أطلقت مسوحاً إحصائية جديدة، ومضت باتجاه بناء قاعدة بيانات أكثر دقة عن المجتمع العراقي.

ولا يمكن النظر إلى هذه الملفات بوصفها إنجازات حزبية خالصة؛ فهي في النهاية أعمال حكومية ومؤسساتية تتحمل مسؤوليتها الدولة بأجهزتها المختلفة. لكن وجود شخصية محسوبة على «تقدّم» في موقع تخطيطي بهذا المستوى يمنح الحزب فرصة لإثبات أن المشاركة في السلطة يمكن أن تتحول إلى إنتاج سياسات عامة لا مجرد توزيع للمناصب.

أما وزارة الصناعة فقد واجهت اختباراً أكثر صعوبة لأنها ترتبط مباشرة بالسؤال الاقتصادي: هل يستطيع العراق أن ينتقل من اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على النفط إلى اقتصاد يمتلك قاعدة صناعية وإنتاجية حقيقية؟

وقد ارتبطت فترة خالد بتال النجم في الوزارة بمحاولات لدعم الإنتاج الصناعي وتفعيل الشركات والمصانع وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص. وفي قطاع الإسمنت على سبيل المثال أعلنت الشركة العامة للسمنت العراقية ارتفاع إنتاجها في 2024 بنسبة 7% مقارنة بعام 2023 فيما سجل معمل سمنت سنجار نمواً في الإنتاج بلغ 20% خلال العام نفسه. وهذه مؤشرات إيجابية، وإن كان من الإنصاف ألا تُنسب وحدها إلى وزير أو حزب، لأنها حصيلة عمل مؤسسات وشركات وموظفين ومستثمرين وسياقات اقتصادية أوسع. لكن نجاح اي مؤسسة مرهون برأس الهرم وقدرته على الصعود بالمؤسسة وتحقيق النجاحات.

 

أما وزارة الثقافة، فقد مثلت وجهاً آخر من وجوه تجربة «تقدّم»: الثقافة بوصفها جزءاً من بناء الدولة والهوية الوطنية لا مجرد نشاط احتفالي.

 

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن الحزب الذي يريد أن يثبت أنه حزب دولة لا يستطيع أن يحصر مفهوم التنمية في الطرق والجسور والمشاريع الاقتصادية بل عليه أن يدرك أن المجتمع الذي لا يستثمر في ذاكرته وثقافته وتراثه وفنونه يظل ناقص البناء مهما اتسعت بنيته التحتية.

الرهان الأصعب.. الانتخابات:

لكن كل هذه الملفات تبقى في النهاية جزءاً من الصورة وليست الصورة كلها.

فالاختبار الأهم لأي حزب سياسي هو قدرته على العودة إلى الناخب.

وقد أظهرت نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025 استمرار «تقدّم» في موقع متقدم على الخارطة السياسية إذ جاء ثانياً في بغداد وفق النتائج المعلنة كما حافظ على حضور مؤثر في المشهد الانتخابي العام.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً:

هل أصبح «تقدّم» حزباً مرتبطاً بشخص محمد الحلبوسي أم أن الحلبوسي استطاع أن يؤسس حزباً يمكنه أن يعيش ويتوسع حتى عندما لا يكون هو في واجهة السلطة التنفيذية؟

هذا هو التحدي الحقيقي أمام المرحلة المقبلة.

فالأحزاب التي ترتبط بشخص واحد قد تكون قوية جداً في زمن صعود زعيمها .. لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما يتغير المزاج السياسي أو يبتعد الزعيم عن موقعه.

أما الحزب المؤسسي فإنه يستطيع أن يحول الزعيم من «صاحب الحزب» إلى «قائد الحزب» والفارق بين التعبيرين كبير.

الحلبوسي أمام معادلة جديدة:

ربما يكون محمد الحلبوسي قد أدرك أن المعركة المقبلة ليست معركة العودة إلى منصب بعينه، وإنما معركة بناء مركز سياسي يستطيع أن يعيش عبر أكثر من دورة انتخابية وأكثر من حكومة وأكثر من أزمة.

وهذا يفسر جانباً من حركته السياسية الأخيرة.

فالسياسي الذي يراهن على المنصب يفاوض من أجل المنصب، أما السياسي الذي يراهن على الحزب فإنه يفاوض من أجل مستقبل الحزب.

ومن اللافت أن «تقدّم» عاد في ترتيبات تشكيل الحكومة العراقية لعام 2026 إلى دائرة التفاوض الوزاري، مع طرح أسماء للحزب في وزارتي الصناعة والتربية، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء. وهذا يدل في الحد الأدنى على استمرار الوزن التفاوضي للحزب في ترتيبات السلطة حتى وإن كانت طبيعة التشكيلة النهائية ومساراتها قابلة للتغير السياسي.

ما بعد الحلبوسي:

ربما يكون مستقبل «تقدّم» هو الاختبار الأصعب لمحمد الحلبوسي نفسه.

فنجاح الزعيم لا يقاس فقط بقدرته على قيادة الحزب وإنما بقدرته على بناء جيل ثانٍ وثالث من القيادات وعلى خلق مؤسسات داخلية قادرة على اتخاذ القرار وعلى تحويل الحزب من حالة انتخابية مرتبطة بشخص إلى مؤسسة سياسية لها برنامج وكوادر وقاعدة اجتماعية.

وهنا ستكون السنوات المقبلة كاشفة.

إذا استطاع الحلبوسي أن يحول تجربة «تقدّم» من حزب انتخابي قوي إلى مؤسسة سياسية ذات برنامج اقتصادي واجتماعي وثقافي واضح فإنه يكون قد تجاوز مرحلة صناعة النفوذ إلى مرحلة صناعة المستقبل.

أما إذا ظل الحزب معلقاً بشخص الزعيم فإن قوته ستظل مرتبطة بقوة حضوره الشخصي وهو أمر قد يكون مفيداً في المدى القصير لكنه يحمل مخاطر على المدى الطويل.

وهذا ما يؤكده محمد الحلبوسي في لقاءاته دائماً عندما يقول: نحن مشروع مستمر وليس مرحلي.

كسب الرهان:

في السياسة العراقية لا توجد انتصارات نهائية كما لا توجد هزائم نهائية.

هناك فقط جولات.

الحلبوسي حتى الآن أثبت أنه يجيد الانتقال من جولة إلى أخرى.

خسر موقعاً لكنه لم يخسر حزبه، ولم يخسر الزعامة، بل ثبت أركانها له ولحزبه على المساحة السياسية المعروفة.

خرج من رئاسة البرلمان لكنه لم يخرج من المعادلة السياسية، بل تسامى بها الى الأفق الأوسع دون ان تكون ثمة قوى تحول دون تساميه، وهذه لا تتأتى لكل شخصية سياسية عملت في الساحة العراقية المعقدة، فقد افلت نجوم من سبقه.

فحين واجه خصومات وانقسامات استطاع ان حافظ على مركز سياسي قادر على المنافسة.

ودخل الانتخابات من جديد فبقي «تقدّم» رقماً يصعب تجاوزه في حسابات القوى السياسية.

وهذا لا يعني أن تجربة الحزب بلا أخطاء ولا أن كل ما تحقق يمكن أن ينسب إلى الحزب وحده ولا أن المستقبل مضمون. بل إن الموضوعية تقتضي القول إن «تقدّم» أمام استحقاقات كبيرة: توسيع قاعدته خارج بيئته التقليدية وتعزيز مؤسسيته الداخلية وتقديم برنامج اقتصادي واجتماعي أكثر وضوحاً، وكذلك إقناع المواطن بأن حضوره في السلطة ينتج فرقاً ملموساً في حياته اليومية.

لكن السياسة في جوهرها ليست القدرة على تجنب الألم وإنما القدرة على تحويله إلى قوة.

ولعل هذه هي أكثر الخلاصات دلالة في تجربة محمد الحلبوسي.

لقد تعلم أن السلطة لا تُختزل في كرسي وأن الحزب لا يُختزل في كتلة وأن التحالف لا يعني التطابق وأن المناورة لا تعني بالضرورة التراجع وأن الخسارة السياسية قد تكون أحياناً بداية لإعادة بناء القوة.

لذلك فإن عنوان المرحلة المقبلة بالنسبة إلى «تقدّم» لن يكون: كيف يعود الحلبوسي إلى السلطة؟

بل سيكون السؤال الأهم:

هل يستطيع محمد الحلبوسي أن يحول «تقدّم» من حزب صنعه الحلبوسي إلى حزب يستطيع أن يصنع المستقبل؟

إذا نجح في ذلك، فسيكون قد كسب رهانه الأكبر.

ليس رهان منصب.

ولا رهان دورة انتخابية.

بل رهان الزمن السياسي نفسه.


مشاهدات 60
الكاتب احمد فكاك البدراني
أضيف 2026/08/25 - 3:25 PM
آخر تحديث 2026/08/26 - 12:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 15 الشهر 32828 الكلي 16122532
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير