الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فارغون من الداخل.. لكنهم يحلقون في الأعالي

بواسطة azzaman

ظاهرة البالون

فارغون من الداخل.. لكنهم يحلقون في الأعالي

خونچە صباح أحمد

 

في عالمٍ أصبحت تُقاس فيه كفاءة الأشخاص وتقدمهم بالتملّق لا بالرزانة والخبرة، تشهد مجتمعاتنا صعوداً لافتاً لفئةٍ جديدة يطلقون عليهم زوراً "الناجحين البارزين والنشيطين" هؤلاء أناسٌ لا يملكون من المؤهلات سوى قدرةٍ عجيبة على التملّق، والتصبّغ، والتقرّب من أصحاب القرار وذوي النفوذ، بينما هم في حقيقتهم مجرد خواءٍ منتفخ.

إنها ظاهرة "البالون"؛ حالةٌ بات يسود فيها العاديون والمفلسون فكرياً وعلمياً وأخلاقياً، ليعتلوا أماكن لا تصلح إلا لأصحاب الكفاءة الحقيقية الذين يُدفع بهم نحو الهامش؛ لكنّ هؤلاء "البالونات" سرعان ما يتلاشى انتفاخهم؛ فبمجرد غرز إبرة واحدة في نسيج زيفهم، يخرج الهواء المكتوم داخلهم، لتتكشف حقيقتهم الهشة أمام الجميع.

تكمن خطورة "إنسان البالون" في أنه يقدم نفسه للعلن بجرأةٍ وتجلُّد، وكأنه مكتملُ المعرفة وخبيرٌ في مجاله، مستنداً في ذلك على فنون التملّق والتلون، وخبرته الدقيقة في اختيار المفردات الرنانة وأوقات التقرّب من أصحاب القرار بأساليب تقع تماماً خارج نطاق الكفاءة والمهنية. فهو أستاذٌ في هندسة المظهر، تراه يتنقل بسلاسة بين المناصب واللقاءات والتكريمات، غير ملتفتٍ لكمية الانتقادات الموجهة إليه. بينما لو حاولت اختباره فكرياً أو قياس أثره المهني الحقيقي، فلن تجد سوى هواءٍ مضغوط وخواءٍ تام، تغطيه طبقة خفيفة من المظاهر والادعاء.

كيف يحلق هؤلاء؟ السر ليس في الاجتهاد والتعب، بل في "الواسطة" و"التملق". في البيئات التي يتراجع فيها المبدأ وتغيب عنها معايير التقييم النزيهة، يتحول النفاق الاجتماعي والتزلف لأصحاب النفوذ إلى مهارة بديلة تعوض غياب المعرفة يصبح هز الرأس ومسايرة المسؤول، والإتقان الشديد لفن "مسح الجوخ"، أقصر الطرق لتبوّء الموقع القيادي. وهكذا، يصعد الجاهل لأنه يملك خفة الوزن التي تسمح له بالارتفاع السريع، بينما يتردد صاحب العلم والكفاءة لأن ثقل علمه وكرامته يثبتانه في مكانه.

ولا يقف هذا المشهد عند حدود المكاتب الإدارية، بل امتد ليتسلل إلى المؤسسات الأكاديمية؛ إذ نرى اليوم بأمّ أعيُننا بعض الدكاترة وأعضاء الهيئات التدريسية ممن يرتدون ثوب العلم زوراً، يركضون خلف اعتلاء المنصات والظهور الإعلامي، يتظاهرون بالمعرفة ويتزينون بالشهادات وهم في الحقيقة خاوون لا يملكون من الفكر والعلم شيئاً.

والأدهى والأمرّ أن طموحهم لا يتوقف عند الكرسي الذي وصلوا إليه بطرق غير مشروعة، بل يمتد للتخطيط والترتيب للوصول إلى مناصب تشريعية وقيادية عليا؛ كقبة البرلمان ومجالس القرار، هؤلاء يعرفون أنفسهم جيداً في قرارة أنفسهم، ويدركون تماماً أنهم بلا مهارة ولا فكر ولا أي مقوّم من مقومات القيادة، لكنهم يمتلكون "خبرة عريقة" في التملق والتذلل، حتى لو كان الثمن بيع الشرف المهني والتخلي عن أدنى القواعد الأخلاقية، فالإنسان الواثق من قدراته وجدارته وعلمه لا يمكن أن ينحدر إلى هذا السلوك المقزز؛ إذ لا يلجأ لمسح الجوخ إلا كل عاجز ومُفلس، يوقن تماماً أن معيار الاستحقاق الحقيقي سيقذف به فوراً إلى قاع الهامش

والطامة الكبرى أن هذه المأساة لا تكتمل إلا بوجود طرفٍ ثانٍ يغذيها؛ ألا وهم بعض صنّاع القرار والمسؤولين الذين يستحوذ هؤلاء المتزلّفون على رضاهم. فتجد المسؤول يُقرّ في داخله بعدم كفاءة هؤلاء الخاوين، ويعلم تماماً حجم ضآلتهم الفكرية، ومع ذلك يستعذب تملّقهم ويُشبع به رغبات نفسه، فيفتح لهم الأبواب على مصراعيها، محوّلاً المؤسسات إلى بيئة طاردة لكل قامة حقيقية. إن هذا التجاوب من أصحاب القرار مع أهل النفاق ليس مجرد سوء تقدير، بل هو جزءٌ أصيل من منظومة الفساد التي تنخر في جسد المجتمع وتغتال المستقبل.

غير أن التمعن في سيكولوجية هذا "المتسلق" الوظيفي يظهر أنه شخص يتغذى على بيع المبادئ في سوق النفاق الإداري، إنه كائن يمتلك قدرة حربائية غير عادية على الانحناء وتجريد نفسه من كل أشكال عزة النفس والكرامة؛ يستمرئ الإهانة، ويلعق الجراح المعنوية بابتسامة صفراء أمام رئيسه، محولاً خدمة المسؤولين في أمورهم الشخصية خارج نطاق العمل إلى "مهارة احترافية" يقتات عليها. وفي المقابل، يرتدي أمام زملائه قناع "الحمل الوديع" مستخدماً نظرية المؤامرة، ليدعي بأنه مُحارب ومستهدف، حتى يغطي على خواء جنباته وفشله المهني الذريع، بينما هو في واقع الأمر يمارس سرقة جهود الشرفاء والمجدين، ويعيد تجميع إنجازاتهم وتغليفها برهرجة كلامية كاذبة ليسوقها إلى مديره النرجسي.

وهنا يقع التواطؤ القاتل؛ فغالباً ما نجد أن المدراء الذين يستقطبون هذه الشريحة مصابون بداء التقديس الذاتي، يبحثون عمن يُجمّل قراراتهم الفاشلة ويومئ برأسه موافقاً على الدوام. يفضلون الانقياد الأعمى على الكفاءة الصريحة، وينتهجون مبدأ "فرّق تسد" عبر حربٍ مكتومة ضد الصادقين، محولين كل من لا يبتسم لمرآهم إلى القوائم السوداء.

في ظل هذا المناخ، تغيب المعايير الحقيقية لقياس أداء العمل وتُستبدل بـ"الانطباعات الملونة"، فتصبح الاستقامة ذنباً يُعاقب عليه، والنفاق جواز سفر نحو "استلام المناصب". وبذلك، يتحول الطموح في أروقة هذه المؤسسات من حقٍّ مشروع إلى انتهازية رخيصة، تجرف أمان البيئة المهنية وتغتال الأمن الوظيفي للنزهاء.

إن المعضلة الحقيقية ليست فقط في وصول هؤلاء الفارغين إلى القمة، بل في الأثر المتردد لجلوسهم على الكراسي الكبيرة. البالون حين يمسك بدفّة الإدارة أو التوجيه، يمارس لا شعورياً إقصاءً لكل من يملك عقلاً حقيقياً؛ لأن وجود الكفاءة يهدد خواءه ويكشف حجمه الطبيعي. ونتيجة لذلك، تُبنى مؤسسات هشة تُدار بالشكليات والاستعراض، وتتحول بيئات العمل إلى مسارح للزينة يغيب عنها الإنجاز الفعلي.

لكن مهما ارتفعت البالونات وتباهت بألوانها ورسوماتها البرّاقة، فإنها تظل محكومة بقوانين الفيزياء والواقع؛ أي احتكاك جاد مع اختبار حقيقي، أو أي أزمة تتطلب حكمة ومعرفة، كفيل بإنهاء المشهد بفرقعة بسيطة تعيد كل شيء إلى حجمه الطبيعي، إن الأمم والمؤسسات لا تُبنى بالاستعراض ولا تُدار بالخواء، وآن الأوان أن نعيد للوزن الثقيل هيبته، وأن ندرك أن الارتفاع الحقيقي هو ما ثبت على الأرض بالمعرفة والمبدأ، لا ما طار في الهواء بلعبة التملق

 

تدريسية في كلية التربية/شقلاوة

جامعة صلاح الدين-أربيل


مشاهدات 75
الكاتب خونچە صباح أحمد
أضيف 2026/08/25 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/08/26 - 12:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 15 الشهر 32828 الكلي 16122532
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير