الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التدني الثقافي وضرورة منع  التعرض للفاروق عمر

بواسطة azzaman

التدني الثقافي وضرورة منع  التعرض للفاروق عمر

حسن الحيدري

 

يمتاز المجتمع العراقي بتنوعه الديني والمذهبي والثقافي  وبقدرته على احتضان المناسبات الدينية المختلفة ففي مواسم ولادات واستشهاد أئمة اهل البيت عليهم السلام تشهد المحافظات التي تحتضن مراقدهم الشريفة توافد ملايين الزائرين من مختلف انحاء العراق في مشاهد تعكس عمق ارتباط العراقيين بموروثهم الديني وما يرافق ذلك من ممارسة الشعائر بحرية وسط اجراءات امنية تهدف الى حماية الزائرين وتنظيم حركة الملايين

واللافت في كثير من هذه المناسبات هو وجود حالة من الاحترام والتعايش والمشاركة بين شرائح المجتمع العراقي المختلفة رغم التعدد المذهبي الذي يميز البلاد وهذه الصورة هي التي ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها لأنها تمثل الوجه الحقيقي للعراق الذي عاش ابناؤه عبر قرون طويلة في مجتمع واحد رغم اختلافاتهم الدينية والمذهبية

لكن بين فترة واخرى تظهر اصوات او مقاطع تتضمن اساءات متعمدة الى رموز وشخصيات لها مكانة كبيرة لدى شريحة واسعة من المسلمين ومن ذلك الاساءة الى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه او الى ام المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ومثل هذه التصرفات لا يمكن النظر اليها باعتبارها مجرد تعبير عابر عن الرأي عندما تتحول الى خطاب استفزازي او وسيلة لاثارة الكراهية والتحريض بين ابناء المجتمع

ان حرية ممارسة الشعائر الدينية لا تعني حرية الاعتداء على معتقدات الآخرين او رموزهم فالحرية الدينية ينبغي ان تكون متبادلة واحترام المقدسات والمعتقدات ينبغي ان يكون قاعدة تحمي الجميع لا امتيازا لطرف دون آخر ومن المؤسف ان بعض من يرددون مثل هذه العبارات او يشاركون المقاطع المسيئة قد لا يمتلكون معرفة كافية بالتاريخ الاسلامي ولا يدركون حجم النتائج التي يمكن ان تترتب على خطاب استفزازي ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي فالتاريخ الاسلامي بما فيه من احداث وشخصيات وخلافات يحتاج الى قراءة علمية متأنية لا الى اجتزاء المواقف وتحويلها الى مادة للتحريض والكراهية

كما ان الخلاف التاريخي بين المسلمين حول بعض الاحداث لا ينبغي ان يتحول الى خصومة بين العراقيين في الحاضر فالمجتمع العراقي ليس مسؤولا عن اعادة انتاج صراعات التاريخ بل مسؤول عن بناء مستقبل مشترك يحترم فيه المسلم أخاه ويستطيع كل مواطن ان يمارس شعائره دون خوف او استفزاز ومن هنا فان مواجهة خطاب الكراهية والاساءة المتعمدة يجب ان تكون مسؤولية الدولة والمجتمع والمؤسسات الدينية والثقافية والاعلامية معا والمطلوب ليس التضييق على الشعائر او تقييد حرية الاعتقاد وانما تطبيق القانون على كل خطاب يتجاوز حرية التعبير الى التحريض على الكراهية او الاعتداء على السلم المجتمعي

وفي الوقت نفسه تقع على المؤسسات الدينية مسؤولية كبيرة في نشر الثقافة التاريخية الرصينة وتعريف الشباب بتاريخ الاسلام بعيدا عن المقاطع المقتطعة والخطابات الانفعالية التي تنتشر بسهولة عبر منصات التواصل الاجتماعي

ان العراق بما يحمله من تنوع مذهبي وديني وثقافي بحاجة اليوم الى خطاب يجمع ولا يفرق ويشرح ولا يستفز ويناقش التاريخ بعقلانية بدل تحويله الى وقود لصراعات الحاضر فاحترام اهل البيت عليهم السلام لا يتطلب الاساءة الى الآخرين واحترام الصحابة وامهات المؤمنين لا يعني منع الآخرين من ممارسة شعائرهم والوعي الحقيقي هو ان يتمكن العراقي من الاعتزاز بعقيدته وهويته وفي الوقت نفسه يحترم حق اخيه العراقي المختلف عنه في العقيدة والمذهب

ان حماية السلم الاهلي ليست مسؤولية الحكومة وحدها وانما مسؤولية كل مواطن وكل رجل دين وكل اعلامي وكل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي اما الدولة فعليها ان تكون حازمة وعادلة في تطبيق القانون على الجميع بحيث لا تتحول المقدسات والرموز الدينية الى ادوات لاشعال الفتنة

فالعراق لا يحتاج الى المزيد من الانقسامات وانما يحتاج الى ثقافة تاريخية ودينية اكثر نضجا والى خطاب وطني يؤكد ان اختلاف العراقيين في المذهب لا ينبغي ان يكون سببًا للكراهية بل جزءا من التنوع الذي يمكن ان يتحول الى مصدر قوة اذا اقترن بالوعي والاحترام المتبادل.....


مشاهدات 63
الكاتب حسن الحيدري
أضيف 2026/08/25 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/08/26 - 12:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 16 الشهر 32829 الكلي 16122533
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير