جمهورية الصمت الثقافي
عبدالكريم الحلو
● لماذا يبخل المثقف العربي
بالاعتراف بالجمال ؟
لا أخشى على الثقافة من الجهل
بقدر ما أخشى عليها من النفاق.
فالجهل يمكن أن يتعلم، أما النفاق الثقافي فقد أتقن فنَّ التنكر للحقيقة حتى صار يبتسم للرداءة، ويشيح بوجهه عن الإبداع.
ولست أتحدث عن المال، ولا عن المناصب، ولا عن الامتيازات، بل عن أبسط أشكال الكرم الإنساني :
كلمة تقدير،
تعليق صادق،
بصمة إعجاب،
مشاركة لنص يستحق أن يصل إلى الناس.
لقد أصبح هذا الكرم الأخلاقي
عملةً نادرة في فضائنا الثقافي.
● إننا نعيش في جمهوريةٍ عجيبة ؛
فيها آلاف الشعراء والروائيين والباحثين والنقاد،
لكن عدد الذين يحتفون بإنجازات غيرهم
لا يكاد يُذكر.
كلُّ واحدٍ ينتظر أن يُصفَّق له،
ولا يريد أن يصفق لأحد.
وكلُّ واحدٍ يريد أن يكون المنارة الوحيدة، ولو اضطر إلى إطفاء جميع المصابيح من حوله.
● وهذا الكلام يشمل السواد الاعظم :
الهرم من قمته الى قاعدته
حين يرى الشباب أن القيادات الثقافية
لا تقرأ لبعضها، ولا تتفاعل مع بعضها،
ولا تعترف ببعضها،
فإنهم يتعلمون الدرس بسرعة.
وهكذا تنتشر ثقافة الصمت
كما تنتشر الأوبئة.
هذا لا يعلق لأنه من حزب آخر
وذاك لأنه من مدينة أخرى
وثالث لأنه من طائفة أخرى
ورابع لأنه لا ينتمي إلى شلة المقهى
وخامس لأنه يخشى أن يصبح اسم الآخر أكبر من اسمه
وسادس لأنه يعتقد أن كل كلمة مديح يمنحها لغيره تُقتطع من رصيده الشخصي.
● أيُّ فقرٍ نفسي هذا؟
لقد تحولت الثقافة عند بعض الناس
إلى بورصةٍ للحسد، لا إلى فضاءٍ للمعرفة.
● ثم تأتي الكارثة الأكبر…
التعليقات :
تحت نصٍّ قضى صاحبه أيامًا أو أشهرًا في كتابته، تجد تعليقًا لا يتجاوز كلمتين:
“أحسنت.”
“جميل.”
“سلم اليراع.”
كلماتٌ تؤدى كما تؤدى الواجبات الإدارية،
لا كما يُقرأ الأدب.
أما إذا كان الكاتب صديقًا، أو صاحب نفوذ، أو عضوًا في الشلة، أو من أهل المصالح،
فإن الرداءة نفسها تتحول إلى تحفةٍ أدبية،
وتبدأ سيمفونية الإطراء التي لا علاقة لها بالنص.
وهكذا يُقتل الذوق مرتين…
مرةً بالصمت عن الجميل.
ومرةً بالتصفيق للقبيح.
ولا تقف المأساة عند المؤسسات الثقافية.
حتى بعض دواوين شيوخ العشائر الميسورين
لم يفكر أحدهم ان يكون ديوانه صالون ثقافي
أصبحت اغلبها تعاني الفقر نفسه.
لانها لا تحتفي بأديبٍ من أبنائها
ولا تحتفل بشاعرٍ رفع اسمها
ولا تكرم باحثًا أفنى عمره في العلم
لكنها تفرش السجاد الأحمر
لكل سياسيٍّ فاسد
ما دام كرسيه لم يسقط بعد
كأن الثقافة لا تمنح الهيبة
وكأن المعرفة أقل شأنًا من السلطة
وحين يُهان المثقف أمام اللص
فلا تسأل بعد ذلك لماذا تتراجع الأمم
● إن المشكلة ليست في وسائل التواصل
هذه المنصات مجرد مرايا
لقد كشفت ما كان مخفيًا
كشفت مقدار البخل الأخلاقي الذي يسكن النفوس
وكشفت أن بعض الناس لا يبخل بالمال فقط،
بل يبخل حتى بإصبعه
يبخل أن يضغط زر الإعجاب
ويبخل أن يكتب كلمة تشجيع
ويبخل أن يشارك فكرة تستحق الانتشار
ويبخل أن يعترف بأن غيره أبدع
إنه بخلٌ من نوعٍ آخر
بخلٌ في الاعتراف
بخلٌ في الإنصاف
بخلٌ في المحبة
● أثبتت الدراسات النفسية :
أن الإنسان الواثق من نفسه يحتفي بنجاح الآخرين؛ لأنه لا يرى في تميزهم تهديدًا لوجوده، بل إضافةً إلى العالم الذي يعيش فيه.
أما المهزوز من الداخل، فإنه يخاف من كل نجاح، ويحسب كل إشادة بغيره إعلانًا عن تراجعه.
ولهذا فإن كثرة الصمت ليست دليل وقار،
بل قد تكون دليل خوف.
وكثرة التجاهل ليست علامة حكمة،
بل قد تكون اعترافًا غير معلن بالهزيمة.
● في الدول التي صنعت الحضارة،
يُربّى الطفل منذ سنواته الأولى
على أن يقول: “أحسنت.”
ويتعلم أن يصفق لمن يفوز.
ويتعلم أن نجاح زميله لا يسرق مستقبله.
أما نحن، فما زال كثيرون يربون أبناءهم
على المنافسة المريضة، حتى صار الاعتراف
بفضل الآخرين عند بعض الناس أشبه بالخيانة.
إن الأمة التي تبخل بكلمة طيبة على علمائها وأدبائها، لن تكون كريمةً مع مستقبلها.
والمجتمع الذي لا يحتفي بمبدعيه،
سيحتفل يومًا بجنازات حضارته.
● وأنا على يقين أن أخطر أنواع الفساد
ليس سرقة المال العام فقط ،
بل سرقة القيمة الادبية ،
حين يُهمَّش المبدع،
ويُرفع المتملق،
ويُكافأ صاحب الولاء
بدل صاحب الكفاءة
ذلك هو الفساد الذي لا تكتبه المحاكم
في سجلاتها، لكنه يكتبه التاريخ
في صفحات سقوط الأمم.
ولذلك فإنني أدعو إلى ثورةٍ أخلاقية
قبل أن أدعو إلى ثورةٍ ثقافية…
ثورةٍ تعيد الاعتبار لكلمة “أحسنت”
حين تُقال عن قناعة، وتجعل التعليق شهادة قراءة لا مجاملة، وتجعل بصمة الإعجاب موقفًا أخلاقيًا
لا عادةً إلكترونية.
● فالأمم لا تنهض بكثرة الكتّاب وحدهم
بل تنهض بكثرة الذين يملكون شجاعة الاعتراف
بأن غيرهم كتب شيئًا يستحق أن يُقرأ.
هذه ليست معركة “تعليق” أو “إعجاب”،
بل معركة ضمير.
فحين يصبح الاعتراف بالجميل عملاً نادرًا، يصبح الصمت شريكًا في اغتيال الإبداع، وتتحول الثقافة إلى قاعةٍ يتحدث فيها الجميع… ولا يُصغي أحد.
محبتي للجميع
الدكتور عبدالكريم الحلو
كاتب وناقد أدبي عراقي
#اشارةللجميع
#رؤيتي_النقدية