الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أمن الخليج العربي وسياسة التحوّط الإستراتيجي

بواسطة azzaman

أمن الخليج العربي وسياسة التحوّط الإستراتيجي

دهام العزاوي

 

أعادت الحرب الامريكية على ايران، رسم وتشكيل الحسابات الأمنية لدول الخليج العربي، فقد كشفت الحرب أن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، رغم أهميتها، لم يوفر الحماية الكاملة للمنشآت الحيوية ومصادر الطاقة طيلة ايام الحرب. وقد دفعت هذه الحقيقة الصادمة الدول الخليجية إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن، والانتقال تدريجياً من الاعتماد على شريك أمني واحد إلى سياسة التحوط الاستراتيجي، القائمة على تنويع الشراكات بهدف تنويع خيارات الردع والحماية.

فالحرب أثبتت أن الولايات المتحدة حليف غير مأمون في ظل ادارة تتصف بتذبذب قراراتها واعتقادها ان القرارات السياسية يمكن ان تخضع لمنطق الصفقات التجارية والابتزاز الاقتصادي، وبالتالي يمكن في اي لحظة لادارة ترامب ان تضحي بدول الخليج مقابل صفقة سياسية مربحة مع ايران، وقد كشفت صواريخ ايران ومسيراتها حيال المنشئات النفطية والمطارات والبنى التحتية في دول الخليج، ان مظلة الحماية التي يفترض ان توفرها القواعد الامريكية، اصبحت عاجزة وغير ذات جدوى. ومن هنا بدأت دول الخليج تتعامل مع الأمن باعتباره مسؤولية وطنية وإقليمية متعددة المستويات، وليس مجرد نتيجة تلقائية للتحالف مع واشنطن.

ويظهر التحوط الاستراتيجي في سعي دول مجلس التعاون إلى الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، مع توسيع التعاون الدفاعي والاقتصادي مع قوى فاعلة في الساحة الدولية، إلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. وعليه اتجهت دول مثل الكويت والمملكة العربية السعودية والامارات لعقد صفقات تسلح واتفاقات امنية مع دول كبرى مثل روسيا والصين واوكرانيا وتركيا والباكستان، والهدف ليس استبدال الحليف الأمريكي، وإنما تقليل مخاطر الاعتماد المفرط عليه، وامتلاك بدائل يمكن اللجوء إليها في حال تغيرت أولويات القوى الكبرى أو عجزت الترتيبات القائمة عن الاستجابة للأزمات.

وفي هذا السياق، يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 تطوراً مهماً في مسار إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي، استنادا الى مبدأ التحوط الاستراتيجي.

اطار تقليدي

وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يعكس اتجاهاً خليجياً نحو بناء علاقات أمنية خارج الإطار التقليدي للتحالف مع الولايات المتحدة. فالسعودية تمتلك الموارد والإمكانات الاقتصادية، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعية متقدمة، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية كبرى؛ الأمر الذي يمنح الاتفاق بعداً يتجاوز التعاون الثنائي التقليدي.

ورغم ان البعض يشكك في قدرة التحالف الجديد على الصمود لاختلاف الاولويات الامنية للدول الموقعة عليه، الا انه بكل تأكيد سيكون خطوة لتعزيز مبدأ الردع الجماعي ويوسع دائرة الخيارات الأمنية أمام الرياض.

وعليه، فإن أمن الخليج مستقبلا لن يتحدد بعلاقة المنطقة مع قوة دولية واحدة، وإنما بقدرتها على إدارة شبكة متداخلة من التحالفات والشراكات. ومن المرجح أن يصبح التحوط الاستراتيجي سمة أساسية للسياسة الخليجية في المرحلة المقبلة، ليس بهدف الدخول في محاور جديدة، وإنما لتجنب الارتهان لمحور واحد، وتحويل تعدد الشراكات إلى مصدر قوة واستقرار في منطقة أثبتت الحرب أن أمنها لا يمكن أن يقوم على الضمانات الخارجية وحدها.

 

 


مشاهدات 117
الكاتب دهام العزاوي
أضيف 2026/08/09 - 3:42 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 1:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 695 الشهر 10471 الكلي 16100175
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير