الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الظرف الأبيض

بواسطة azzaman

الظرف الأبيض

حسين علي الحمداني

 

في العاشر من آب/أغسطس 1976، كان القيظ في الخالص ثقيلاً حتى كاد الحلم يتبخر على عتبة القلب. كنتُ في الثانية عشرة من عمري، أغادر الصف السادس الابتدائي وأتهيأ لدخول المرحلة المتوسطة. وفي اللحظة نفسها، وعلى بُعد أربعة آلاف كيلومتر، عند شاطئ يطل على البحر الأبيض المتوسط، كانت طفلة تفتح عينيها للمرة الأولى.

سمّوكِ حنان.

منذ ذلك اليوم مضى كلٌّ منا في طريقه. كنتُ أكبر هنا، وتكبرين هناك، في مدينة تونسية، من غير أن يدري أحد بوجود الآخر. لكن الزمن كان، بصبرٍ لا يخطئ، ينسج بين حياتين خيطاً خفياً لم تكن تراه العين.

حين بلغتُ الثامنة عشرة، بنى لي أبي غرفةً صغيرة في ركن الدار. كانت أول مساحة أشعر أنها تخصني وحدي. هناك بدأت حياتي معلماً أقف أمام السبورة، أعلّم الأطفال حروفهم الأولى، وأحلم بمستقبل يتسع للكلمات.

وفي الضفة الأخرى من البحر، كنتِ تجلسين على مقعدكِ في الصف الأول الابتدائي، تتعلمين الألف والباء... الحروف نفسها التي ستكتبين بها اسمي بعد سنوات طويلة.

ومضت الأعوام.

كنتُ أضيف إلى عمري عاماً، وتضيفين إلى عمرك عاماً، من غير أن يلتقي الطريقان. كنتُ أعلّم، وأنتِ تتعلمين، بينما كان الزمن يختصر المسافات بصمت، ويؤجل موعداً لم يحن أوانه بعد.

ثم جاء الثاني والعشرون من شباط/فبراير 1993.

كان يوماً عادياً، حتى طرق ساعي البريد الباب، ووضع في يدي ظرفاً أبيض يحمل طابعاً تونسياً. وفي زاويته اسمٌ واحد...

حنان.

في تلك اللحظة، كانت أمي تُبخّر غرفتي، وتتمتم بدعاءٍ خافت. وقفت إلى جانبي وأنا أحدق في الاسم قبل أن أفتح الرسالة. امتزج عبق البخور برائحة الورق، فبدت الغرفة كأنها تستقبل قدراً مؤجلاً.

فتحتُ الظرف.

وقرأتُ كلماتكِ الأولى.

وفي داخلي مرّت خاطرة خاطفة:

لقد تأخرتِ كثيراً في الوصول.

سألتني أمي بهدوء:

ـ هذه الرسالة منها؟

قلتُ مبتسماً:

ـ من مَن يا أمي؟

ابتسمت وقالت:

ـ من تلك التي كنتَ تنتظرها منذ سنوات.

كان عمري يومها تسعةً وعشرين عاماً، أكتب في الصحف مقالاتٍ، بينما كنتِ في السابعة عشرة من عمرك، طالبةً في المرحلة الثانوية.

عندها أدركت أن الانتظار لم يكن فراغاً، بل كان طريقاً طويلاً يقود إلى تلك اللحظة.

ومن ذلك الظرف الأبيض بدأت رحلة امتدت عشرين عاماً؛ رسائل تعبر البحر ذهاباً وإياباً، تواجه الحروب والحصار والغربة، لكنها تصل دائماً، لأن الكلمات كانت أقوى من الحدود، وأصدق من السياسة، وأبقى من المسافات.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد العاشر من آب مجرد تاريخين على الخريطة، بل أصبح موعداً توقظ فيه الذاكرة أجمل ما خبأته الأيام.

كلما عاد، عادت معه ثلاث صور لا تغيب:

طفلٌ في الخالص يحدق في السماء، وطفلةٌ في تونس تكبر على ضفة المتوسط، وأمٌّ تُبخّر غرفة ابنها وهو يفتح للمرة الأولى ظرفاً أبيض سيغيّر معنى العمر كله.

لم تكوني توقيعاً في رسالة، بل المعنى الذي منح الحروف دفأها، وجعل للانتظار جدواه، وحوّل البحر الفاصل بين بلدين إلى جسرٍ من الكلمات.

وتعلّمت أن الوطن قد يكون اسماً، وأن المسافات، مهما اتسعت، تُهزم حين يكتب قلبٌ إلى قلب.

وبعض الأقدار تبدأ يوم الولادة، لكنها لا تكشف عن نفسها إلا بعد سنوات طويلة...

حين يصل الظرف الأبيض.


مشاهدات 222
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/08/09 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/08/10 - 1:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 695 الشهر 10471 الكلي 16100175
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير