بعد أن نحرّر العقل والذاكرة .. كيف نبني الثقة؟
أهمية الثقة في بناء الإقتصاد السياسي للدولة
أسامة أبو شعير
في مقالين سابقين تناولت فكرتين مترابطتين: أن بناء الدولة يبدأ بتحرير العقل من الوصاية الفكرية، ثم بتحرير الذاكرة من أسر الماضي. غير أن هاتين الخطوتين، على أهميتهما، لا تكفيان وحدهما لبناء دولة مستقرة وقادرة على التنمية. فالدول لا تنهض بمجرد امتلاك الأفكار الصحيحة أو قراءة تاريخها بصورة ناضجة، بل عندما تتحول المعرفة إلى سلوك مؤسسي، والذاكرة إلى مصالحة، والمصالحة إلى ثقة عامة بين المواطن والدولة وبين المواطنين أنفسهم.
والثقة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل أحد أهم الأصول غير المادية في الاقتصاد السياسي. فهي تخفض كلفة المعاملات، وتعزز الاستثمار، وترفع مستوى الامتثال للقانون، وتزيد قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار بكفاءة. وكلما ارتفع رصيد الثقة، انخفضت الحاجة إلى الرقابة المفرطة، وتراجعت كلفة الفساد، وازدادت قدرة الاقتصاد على النمو. ولهذا أصبحت الثقة تُعد في الأدبيات الحديثة شكلاً من أشكال رأس المال الوطني، لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو البنية التحتية.
لكن الثقة ليست مورداً ثابتاً تستهلكه الدول حتى ينفد، بل هي أصل يُنتج كل يوم. فكل قرار عادل، وكل خدمة عامة تقدم بكفاءة، وكل تعيين يقوم على الجدارة، وكل حكم قضائي مستقل، يضيف رصيداً جديداً إلى حساب الثقة الوطني. وفي المقابل، فإن كل استثناء للقانون، وكل غياب للشفافية، وكل إفلات من المساءلة، يسحب من هذا الرصيد. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نستعيد الثقة، بل كيف نجعل مؤسسات الدولة تنتجها بصورة مستمرة.
ولاءات ضيقة
وعندما تضعف الثقة، يبدأ المجتمع في بناء مؤسسات موازية للدولة. فيلجأ الأفراد إلى العلاقات الشخصية بدلاً من القانون، وإلى الوساطة بدلاً من تكافؤ الفرص، وإلى الولاءات الضيقة بدلاً من المواطنة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه البدائل أكثر رسوخاً من المؤسسات الرسمية، لأن المواطن لا يبحث عن النظام الأفضل، بل عن النظام الذي يحقق له الأمان والنتائج. وفي العراق تزداد هذه المعضلة تعقيداً بسبب طبيعة الاقتصاد الريعي، حيث تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية أكثر من اعتمادها على النشاط الإنتاجي والضرائب. ففي الاقتصادات الإنتاجية تنشأ علاقة تبادلية بين الدولة والمواطن، تقوم على أن من يدفع الضرائب يطالب بالخدمات والمساءلة. أما في الاقتصاد الريعي، فإن هذه العلاقة تضعف، وتصبح المنافسة أحياناً على توزيع الريع أكثر من إنتاج الثروة، مما يخلق بيئة تسمح بترسخ المحاصصة والمحسوبية، ويضعف الثقة تدريجياً في عدالة المؤسسات.
غير أن المشكلة لا تكمن في الاقتصاد الريعي وحده، بل في الحوافز التي يولدها. فهناك منظومات سياسية واقتصادية وإدارية تستفيد من ضعف الثقة، لأن غيابها يجعل المواطن أكثر اعتماداً على الوسيط من اعتماده على القانون، وأكثر احتياجاً إلى العلاقات الشخصية من المؤسسات العامة. ولذلك فإن بناء الثقة لا يمثل إصلاحاً إدارياً فحسب، بل مشروعاً لإعادة تصميم الحوافز بحيث تصبح الكفاءة والشفافية وسيادة القانون أكثر جدوى من شبكات النفوذ والامتيازات.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تُبنى الثقة بالخطاب أو الوعود، وإنما بالسلوك المؤسسي المتكرر. فالمواطن لا يثق لأنه طُلب منه ذلك، بل لأنه يرى أن القانون يطبق على الجميع، وأن المال العام يُدار بمسؤولية، وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة، وأن الدولة قادرة على الوفاء بما تعلنه. ولهذا فإن الثقة ليست بداية الإصلاح، بل أهم نتائجه.ولا تقتصر الثقة على العلاقة بين المواطن والدولة، أو ما يمكن تسميته بالثقة العمودية، بل تمتد أيضاً إلى الثقة الأفقية بين المواطنين أنفسهم. فالمجتمع الذي تضعف فيه الثقة المتبادلة بين مكوناته لن يستطيع بناء مؤسسات مستقرة، مهما كانت جودة القوانين أو كفاءة الإدارات. ولذلك فإن بناء الدولة لا يكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن اختلافه الديني أو القومي أو السياسي لا يحدد فرصه في التعليم أو العمل أو العدالة. فالمواطنة ليست مجرد نصوص دستورية، بل هي الثقة اليومية بأن الجميع يخضع للقواعد نفسها ويتمتع بالحماية نفسها.
وتشير تجارب دول مثل سنغافورة وإستونيا وفنلندا إلى أن الثقة لم تكن نقطة البداية، بل كانت حصيلة إصلاحات مؤسسية متراكمة اتسمت بالاستمرارية والشفافية والعدالة. فقد استثمرت هذه الدول في جودة المؤسسات، واستقلال القضاء، والتعليم، والتحول الرقمي، ومكافحة الفساد، حتى أصبح الالتزام بالقانون جزءاً من الثقافة العامة، لا مجرد استجابة للعقوبات.
وفي العصر الرقمي، لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة لتقديم الخدمات، بل أصبحت أداة لإنتاج الثقة. فالخدمات الحكومية الإلكترونية تقلل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، فتحد من فرص الفساد والمحسوبية، والبيانات المفتوحة تجعل إدارة المال العام أكثر شفافية، كما تتيح المنصات الرقمية للمواطن متابعة الأداء الحكومي والمشاركة في المساءلة. ولهذا فإن التحول الرقمي لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تحديثاً تقنياً فحسب، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
مؤسسات مستقلة
غير أن الرقمنة وحدها لا تكفي إذا لم تُبنَ على مؤسسات مستقلة وثقافة قانونية راسخة؛ فالتكنولوجيا قد تزيد كفاءة الإدارة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب العدالة أو المساءلة. ولهذا فإن نجاح التحول الرقمي يرتبط بقدرته على تعزيز النزاهة والشفافية، لا بمجرد استبدال المعاملات الورقية بأخرى إلكترونية.
كما أن التعليم يظل المصنع الحقيقي للثقة طويلة الأمد. فالمدرسة التي تعلّم النزاهة، والعمل الجماعي، واحترام التنوع، والتفكير النقدي، لا تخرّج طلاباً أكثر معرفة فحسب، بل تخرّج مواطنين أكثر استعداداً للتعاون والثقة بالمؤسسات. ولا تقل مسؤولية الإعلام عن ذلك؛ فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يسهم في بناء فضاء عام يقوم على الحقائق، ويعزز ثقافة المساءلة، ويحد من انتشار الشائعات التي تقوض الثقة في المجتمع والدولة.
ومن هنا، فإن بناء الثقة يحتاج إلى مشروع وطني متكامل يقوم على خمسة مرتكزات: سيادة القانون دون استثناء، وشفافية إدارة المال العام، واستقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وتعليم يرسخ قيم المواطنة، وإدارة حكومية تقيس نجاحها بما تحققه من نتائج لا بما تعلنه من وعود. وعندما تعمل هذه العناصر بصورة متكاملة، تصبح الثقة نتيجة طبيعية للسلوك المؤسسي، لا شعاراً سياسياً أو أمنية أخلاقية.
إن تحرير العقل يحرر الإنسان من الخوف والتلقين، وتحرير الذاكرة يحرر المجتمع من أسر الماضي، أما بناء الثقة فهو الذي يمنح المؤسسات القدرة على تحويل المعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى إنجازات، والإنجازات إلى شرعية مستدامة. فهذه المراحل ليست منفصلة، بل تمثل مساراً واحداً لبناء الدولة الحديثة.
فالعقل الحر ينتج المعرفة، والذاكرة الناضجة تنتج المصالحة، والثقة الراسخة تنتج المؤسسات، والمؤسسات القوية تصنع التنمية. ولا تتقدم الدول لأنها تمتلك ثروات أكبر، بل لأنها تمتلك مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة يوماً بعد يوم، وجيلاً بعد جيل.
وربما لا يكون السؤال الأهم أمام العراق هو: كيف نطالب المواطنين بالثقة في الدولة؟ بل: كيف نبني دولة تجعل الثقة النتيجة الطبيعية لكل قانون، ولكل خدمة، ولكل قرار، ولكل جيل جديد؟