الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
توطين المعرفة والكفاءات المهاجرة

← بواسطة azzaman

توطين المعرفة والكفاءات المهاجرة

رشيد العجيل

 

حين تُعلَن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين العراق والدول المتقدمة كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ويتصدر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة بنودها يسارع كثيرون إلى الاحتفاء بهذه الخطوات باعتبارها بوابة نحو المستقبل. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح بعيداً عن صخب البيانات الرسمية هو: هل نملك في العراق البيئة العلمية والبنية الأساسية القادرة على استيعاب هذا التعاون وتحويله إلى قدرة وطنية أصيلة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تمر عبر أروقة الوزارات، بل عبر بوابة واحدة لا بديل عنها: الجامعات والمراكز البحثية الوطنية.

من استهلاك المعرفة إلى توطينها

ثمة فارق جذري بين دولة تكتفي باستيراد التقنية واستخدامها، ودولة تمتلك القدرة على استيعابها وتكييفها وتطويرها. هذا الفارق لا تصنعه نصوص المذكرات ولا البروتوكولات الدبلوماسية، بل يُبنى في المختبرات وقاعات البحث وأروقة الجامعات. فالجامعة هي البيئة الوحيدة التي يتحول فيها العلم من سلعة جاهزة تُستهلك إلى معرفة تُفهم وتُنتج. وإذا بقيت مؤسساتنا الأكاديمية بمعزل عن هذا التحول، فسيظل العراق يشتري نتاجات العلم دون أن يشارك في صناعتها، ويوقع الاتفاقيات دون أن يجني ثمارها الحقيقية.

لماذا الرهان على المؤسسة الأكاديمية؟

يمتلك العراق اليوم قاعدة واسعة من الطلبة والباحثين والمهندسين، وهي ثروة بشرية لا تقل قيمة عن أثمن الموارد الطبيعية. لكن هذه الطاقات تظل معطلة أو تبددها الرتابة ما لم تجد بيئة علمية رصينة تحتضنها؛ مختبرات مجهزة، وبرامج دراسات عليامعتمدة، ومجلات علمية محكّمة، وربطاً عضويّاً بين البحث العلمي وأزمات البلد المستعصية في الكهرباء والمياه والزراعة والصحة. إن الجامعة التي تُخرج طلبة دون أن تنتج معرفة تطبيقية، والمركز البحثي الذي يصدر دراسات تُحفظ في الأدراج دون أن تصل إلى صانع القرار، كلاهما يمثل هَدراً لطاقات بلد أحوج ما يكون إلى كل كفاءة متاحّة.

استثمار العقول المهاجرة: برنامج «الكفاءات العراقية»

ولا يمكن للحديث عن بناء منظومة علمية متكاملة أن يستقيم دون الالتفات إلى الرصيد الهائل من العقول العراقية المهاجرة التي تسلمت مناصب مرموقة في شركات وكبريات جامعات العالم ومراكز أبحاثه. إن النهضة العلمية المنشودة تتطلب إطلاق برنامج وطني طموح تحت اسم «الكفاءات العراقية ودورها في نهضة العراق الجديد»، يهدف إلى إيجاد جسور تواصل دائمة مع هذه العقول واستثمار خبراتها. ولضمان تحويل هذا التوجه إلى سياسة دولة نافذة بعيدة عن المماطلة والروتين الإداري، نقترح تشكيل هيئة تخصصية ترتبط مباشرة برئاسة الوزراء باسم «هيئة الكفاءات العراقية في الخارج»؛ تتولى مهمة تنظيم مشاركة المغتربين بشكل دائمي أو تنظيم مؤتمرات وزيارات بهدف نقل التكنولوجيا الحديثة، وتطوير المناهج والبرامج البحثية، وإدارة مشاريع التعاون العلمي المشترك، بما يضمن إدماج خبراتهم العالمية في صلب مسيرة التنمية الوطنية.

الشراكات الدولية: بوابة لا غاية

حين تشير بيانات التعاون الدولي إلى شراكات جامعية وبحثية، فإن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بعدد الوثائق الموقّعة، بل بالأثر المستدام الذي تتركه داخل الجامعة العراقية. الشراكة الحقيقية هي التي تُنشئ مختبرات مشتركة، وتُبتعث الباحثين، وتُدرب الكوادر، وتترك بعد انتهاء الشراكة فريقاً محلياً قادراً على إدارة المعرفة والاستمرار بها. أما التفاهمات التي تنتهي بانتهاء التمويل دون أن تترك خلفها معرفة متراكمة أو كفاءة وطنية، فهي مجرد استيراد مؤقت للعلم لا توطين له.

مقومات الإصلاح المطلوب

إن بناء منظومة علمية قادرة على القيادة يستلزم الرصانة واستقلالية أكاديمية تحمي الجامعة من التسييس والبيروقراطية، وتمويلاً بحثياً ومعايير صارمة في التعيين والترقية والنشر تعتمد الاستحقاق العلمي وحدَه. كما يتطلب ربطاً وثيقاً بين البحث الأكاديمي واحتياجات القطاعين العام والخاص، وإيجاد منظومة بيانات وطنية موثوقة تُبنى عليها الدراسات وتُتخذ في ضوئها القرارات. إن التقنية يُمكن استيرادها بعقد وتوقيع، أما القدرة العلمية الوطنية ومواكبة التطور التكنولوجي الذي يخدم حاجة الناس لقيادة التنمية فتُبنى بصبر، جامعةً بعد جامعة، وباحثاً بعد باحث ومصنعاً بعد مصنع  وبمشاركة كل أبناء الوطن في الداخل والخارج. لن يحجز العراق موقعه المستحق في عالم التقنية عبر مذكرات التفاهم وحدها، بل عبر مؤسسات علمية وصناعية راسخة تحوّل هذه الاتفاقيات إلى تنمية حقيقية.

 

 


مشاهدات 62
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/09/30 - 3:56 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 2:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 213 الشهر 213 الكلي 16585382
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير