الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل آن الأوان لأن تستمع وزارة التعليم العالي إلى صوت الجامعة؟

← بواسطة azzaman

هل آن الأوان لأن تستمع وزارة التعليم العالي إلى صوت الجامعة؟

اكرم سالم

 

  ليس كل جديدٍ إصلاحًا، وليس كل ما نجح في بيئة تعليمية أخرى قابلًا للنجاح بالطريقة نفسها في بيئة مختلفة. وهذه قاعدة بديهية في إصلاح التعليم، لأن الجامعات لا تعمل في فراغ، والأنظمة التعليمية لا تُستورد كما تُستورد الأجهزة والمعدات، وإنما تحتاج إلى تكييف ودراسة وتجريب وتقويم مستمر. ومن هنا يأتي السؤال الذي يزداد إلحاحًا في الجامعات العراقية: إلى متى يستمر تطبيق مسار بولونيا من دون مراجعة وطنية شاملة لتجربته ونتائجه؟ فالوزارة ما زالت تعتمد مسار بولونيا رسميًا، وقد أصدرت دليل اعتماد العملية للعام الدراسي 2025–2026، كما استمرت الجامعات في مناقشة آليات تطبيقه وتوحيد إجراءاته للعام الدراسي 2026–2027. "وزارة التعليم العالي و البحث العلمي/دليل اعتماد عملية بولونيا في الجامعات العراقية للسنة الدراسية ٢٠٢٥/٢٠٢٦", لكن استمرار القرار الإداري لا يعني بالضرورة انتهاء النقاش الأكاديمي. وهنا تكمن المشكلة. لقد أصبح من الضروري أن نخرج من دائرة "التطبيق لأن القرار صدر" إلى دائرة "التقييم لأن التجربة يجب أن تثبت نجاحها". فالجامعة العراقية ليست نسخة من الجامعة الأوروبية، والطالب العراقي ليس نسخة من الطالب الأوروبي، والإمكانات والظروف المناخية والتقنية  والبنى التحتية وأعداد الطلبة والموارد البشرية والظروف الاجتماعية والاقتصادية ليست متطابقة. ولذلك فإن نقل نظام تعليمي من بيئة إلى أخرى يحتاج إلى تكييف حقيقي، لا إلى مجرد تغيير في المصطلحات والجداول وآليات احتساب الوحدات والساعات.

وإذا كانت الوزارة ترى أن مسار بولونيا حقق أهدافه، فإن أفضل دفاع عنه ليس البيانات الإنشائية، وإنما الأرقام. نريد دراسة علمية تجيب بوضوح: ماذا تغير في مستوى الطلبة؟ هل تحسنت مخرجات التعليم؟  ام العكس  وهل ارتفعت مهارات الطلبة في الفهم والتحليل والبحث؟ هل أصبحت عملية التقويم أكثر دقة وعدالة؟ وهل انعكس نظام المسار الذي ابتلينا به  بلوى  القدر المستعجل  فعلًا على جودة الخريجين؟

هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على التطوير، بل هي جوهر التطوير.

والأخطر من ذلك أن صوت التدريسي، وهو الطرف الذي يعيش تفاصيل العملية التعليمية يوميًا، لا ينبغي أن يكون صوتًا ثانويًا في هذه القضية. فمن حق الأستاذ الجامعي أن يُسمع رأيه، ومن حقه أن يشرح ما يراه من مشكلات في التطبيق، ومن حق الطالب كذلك أن يكون جزءًا من عملية التقييم. ولهذا فإن الحل ليس في الدخول بمواجهة بين الوزارة والتدريسيين، ولا في تحويل النقاش إلى معسكر مؤيد ومعسكر معارض، وإنما في إجراء استفتاء أكاديمي مهني ومستقل يشمل التدريسيين والطلبة والخبراء، يتبعه تقويم علمي لمخرجات النظام المسار الوافد الينا بشكل ملفق ومزاجي  وبقرار فردي  معروف المصدر . فإذا جاءت النتائج لصالح بولونيا، فليُعلن ذلك للرأي العام الأكاديمي بكل شفافية. وإذا كشفت النتائج عن خلل في التطبيق، فلتكن هناك شجاعة في الاعتراف به ومعالجته. أما أن يستمر النظام عامًا بعد عام من دون أن يرى الأكاديميون دراسة وطنية شاملة تقنعهم بنتائجه، فذلك يوسع مساحة الشك ويجعل المشكلة أكثر تعقيدًا. والنتائج المريرة اكثر تفاقما واقسى مرارة والغط في اوساط التدريسيين  يتسع ويتسع فيما تبدي الوزارة  اذنا  غير صاغية  لكل ذلك . لقد كتبنا، وكتب غيرنا، وطرحنا الأسئلةونقلنا اصوات  الزملاء  واهاتهم ، وانتقدنا بعض جوانب التجربة، وطالبنا بمراجعتها. لكن ما يؤلم حقًا هو أن تبقى المقالات والمناشدات والتساؤلات تدور في فضاء مغلق، بينما تستمر السنة الدراسية تلو الأخرى. نحن لا نريد إلغاء التطوير، وإنما نريد تطويرًا حقيقيًا. ولا نرفض التجارب العالمية، وإنما نرفض أن تتحول التجربة العالمية لوصفة جاهزة وايقونة محنطة لا تراعي خصوصية الجامعة العراقية. ولا نقول إن النظام الفصلي كامل وخالٍ من العيوب، وإنما نقول وبكل ثقة  إن لدينا تجربة عراقية سابقة ناجحة  حقا  ينبغي أن تُدرس بإنصاف وموضوعية ، وأن تُقارن بالتجربة الحالية المثيرة للريبة والتساؤلات وبالخيبات وبكل  تاكيد   على أساس علمي. ولذلك فإن العودة إلى النظام الفصلي ينبغي أن تكون خيارًا مطروحًا على طاولة البحث والدراسة، لا شعارًا مسبقًا ولا قرارًا انفعاليًا. فقد يكون الإصلاح في العودة إليه، وقد يكون في تعديل بولونيا، وقد يكون في بناء نموذج عراقي يجمع بين مزايا التجارب الدولية وخصوصية الواقع العراقي.

المهم أن يكون القرار نتيجة دراسة  موضوعية ، لا الدراسة نتيجة قرار. إننا أمام قضية تتجاوز أسماء الأنظمة ومصطلحاتها؛ إنها قضية مستوى التعليم العالي العراقي ومستقبل الطالب العراقي.

ولهذا نضع النداء أمام دولة رئيس مجلس الوزراء، وأمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأمام مجالس الجامعات والقيادات الأكاديمية: افتحوا هذا الملف من جديد. استمعوا إلى التدريسيين. اسألوا خبراء التربية والتعليم من اصحاب الشان . شكلوا لجنة علمية مستقلة.

أجروا دراسة مقارنة بين النظام الفصلي ومسار بولونيا. انشروا النتائج للرأي العام.

ثم اتخذوا القرار. فليس عيبًا أن نكتشف أن تجربة ما تحتاج إلى تعديل، وليس تراجعًا أن نعترف بأن بعض السياسات والمسارات التعليمية  او التربوية  لم تحقق النتائج المتوقعة؛ العيب الحقيقي هو أن نعرف بوجود المشكلة ثم نصر على استمرارها من دون تقويم جاد. إن التعليم العالي لا يحتمل المجاملة والسكوت  على الاغلاط ، لأن الخطأ فيه لا ينتج ورقة فاشلة في امتحان، وإنما قد ينتج جيلًا كاملًا من الخريجين. والجامعة العراقية تستحق نظامًا تعليميًا ينبع من حاجاتها وبيئتها الوطنية ، ويأخذ من التجارب العالمية ما يناسبها، ويضع مستوى الطالب في مقدمة أولوياته. أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام صانع القرار فهو:

هل نريد نظامًا نطبقه لأننا قررنا تطبيقه، أم نظامًا نتمسك به لأننا أثبتنا بالأرقام  وتوافق الاراء أنه الأفضل لجامعاتنا وطلبتنا؟ هنا تبدأ المراجعة الحقيقية. وهنا يبدأ إنقاذ التعليم، إن كانت هناك حاجة فعلًا إلى الإنقاذ.

 

 

" استاذ الادارة الاستراتيجية  ونظم المعلومات كلية الادارة والاقتصاد جامعة دجلة


مشاهدات 61
الكاتب اكرم سالم
أضيف 2026/09/30 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 210 الشهر 210 الكلي 16585379
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير