الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القاعة التي أفرغها الضمير.. إنسحابات بالجملة بعد صمت دولي طويل

← بواسطة azzaman

القاعة التي أفرغها الضمير.. إنسحابات بالجملة بعد صمت دولي طويل

عباس التميمي

 

    لم يكن المشهد عاديًا في تاريخ الأمم المتحدة. ففي قاعة الجمعية العامة، حيث اعتاد الدبلوماسيون على الجلوس صامتين أمام كل خطاب، ارتفعت عشرات الوفود عن مقاعدها وانسحبت. لم يكن انسحابًا بروتوكولينا ولا احتجاجًا شكليًا، بل كان استفتاءً أخلاقيًا مباشرًا على من يقف على المنصة. كانت الكلمة لم تزل في بدايتها، والقاعة تتفرّغ شيئًا فشيئًا من الحضور، حتى بدت المقاعد الفارغة أكثر بلاغة من أي خطاب.

     يقولون إن الصور أصدق من البيانات، وهذا المشهد بالذات كان صورة مكثفة لتحوّل كبير: العالم لم يعد يريد أن يكون شاهدًا صامتًا. فبعد أشهر من القتل المتواصل في غزة، وبعد أن سقط عشرات الآلاف من الشهداء، وبعد أن تحوّلت المستشفيات إلى مقابر جماعية والمدارس إلى أنقاض، بدا واضحًا أن الصمت الدولي لم يكن حيادًا، بل كان تواطؤًا. والانسحاب من القاعة كان أول تعبير جماعي عن رفض هذا التواطؤ.

بيان أدانة

       لسنوات طويلة، كانت القضية الفلسطينية تُدار في أروقة السياسة بقواعد باردة: بيان إدانة هنا، تصويت على قرار هناك، ثم يعود الجميع إلى أعمالهم وكأن شيئًا لم يحدث. أما الميدان، فكان يدفع الثمن وحده. كانت القرارات تُصدر، ثم تُنسى، وكانت البيانات تُقرأ، ثم تُطوى. وكان الشعب الفلسطيني ينتظر، جيلًا بعد جيل، أن يتحقق وعدٌ لم يأتِ قط.

       لكن ما جرى خلال الفترة الأخيرة لم يكن استمرارًا لتلك القاعدة، بل خروجًا عليها. انسحاب أكثر من خمسٍ وسبعين دولة من القاعة عند بدء كلمة رئيس وزراء الاحتلال لم يكن حدثًا دبلوماسيًا عاديًا، بل كان إعلان موقف بصوت مرتفع بلا كلمات. فالانسحاب في قاموس الأمم المتحدة ليس مجاملة ولا تحفظًا، بل هو أقرب إلى “حكم أخلاقي” يُعلن أمام الكاميرات، ويُسجَّل في التاريخ.

      والأمر الأهم أن هذا الانسحاب لم يكن احتجاجًا على شخص بقدر ما كان احتجاجًا على سياسة، وعلى صمت دولي طويل، وعلى منظومة كاملة ظلّت تُدير الحرب والاحتلال تحت مظلة الشرعية الدولية. كان الاحتجاج على استخدام منصة الأمم المتحدة لتبرير القتل، وكأن القانون الدولي يمكن أن يُطوى عندما يتعلق الأمر بفلسطين.

     هذا سؤال مشروع. لماذا لم يتحرك العالم قبل عشرات السنين، ولماذا يتحرك اليوم؟ ألم تكن هناك مجازر من قبل؟ ألم يكن هناك تهجير وتدمير وحصار؟ بلى، كان كل ذلك. لكن الفارق أن العالم اليوم يرى بعينه، لا بعين غيره.

      الجواب أن الوعي الإنساني يتحرك ببطء، لكنه عندما يتحرك لا يعود إلى الوراء. وقد اجتمعت اليوم عوامل لم تجتمع من قبل: الصورة تنقل التفاصيل لحظة بلحظة، والشباب في العالم بات يملك أدوات سرد مستقلة عن الإعلام الرسمي، والضمير الجماعي لم يعد يقبل التبريرات القديمة عن “حق الدفاع عن النفس” وهي تُستخدم لتغطية القتل الجماعي.

    لقد أدرك كثيرون أن ما يحدث ليس حربًا بين جيشين، بل هو واقع مأساوي يدفع ثمنه المدنيون: أطفال، ونساء، وشيوخ، ومستشفيات، ومدارس، وخيام. وحين يصل المشهد إلى هذه الدرجة، لم يعد الصمت موقفًا محايدًا، بل يصبح شريكًا في الجريمة.

   وهناك عامل آخر لا يقل أهمية: الجيل الجديد. فالشباب في أوروبا وأمريكا وأمريكا اللاتينية وآسيا لم يعيشوا الصورة النمطية القديمة التي صُوّرت لهم لعقود. لقد رأوا بأعينهم، وتفاعلوا، وخرجوا إلى الشوارع، وواجهوا السلطات، وطالبوا بالعدالة. وهذا الجيل هو الذي سيحمل القضية في السنوات القادمة، وهو الذي سيُعيد تشكيل الرأي العام العالمي.

من أعمق ما قيل في تأسيس الضمير الإنساني، كلمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق».    هذه العبارة ليست مجرد بلاغة أدبية، بل هي دستور للعلاقة بين البشر. فهي تُقرّ أن الاختلاف في الدين أو العرق أو الجغرافيا لا يُسقط الإنسانية المشتركة. وإذا كان الإنسان إما أخٌ في العقيدة أو نظيرٌ في الخَلْق، فإن الظلم الواقع على أي إنسان هو ظلم على الإنسانية كلها، ولا يجوز أن يكون هناك من يقول: “هذا لا يعنيني”.

وما جرى في قاعة الأمم المتحدة هو تجسيد عملي لهذه الرؤية. فالذين انسحبوا لم يكونوا كلهم مسلمين، ولا عربًا، ولا ناطقين بالعربية. انسحبوا لأنهم أدركوا أنهم “نظير في الخلق” لإنسان يُقتل في غزة، وأن كرامتهم مرتبطة بكرامته. وهذا هو معنى الإنسانية الحقيقية: أن تشعر بوجع الآخر حتى لو لم يشبهك، وأن تدافع عن حقه حتى لو لم يكن من دينك.

    وقد علّمنا الإمام علي (عليه السلام) أن العدل لا يكون انتقائيًا. فمن ظلم إنسانًا باسم الدين، فقد ظلم الدين نفسه. ومن سكت عن ظلم إنسان لأنه “ليس منا”، فقد خسر إنسانيته قبل أن يخسر الآخر. وهذه الرؤية هي التي يجب أن تُبنى عليها السياسة الدولية، لا المصالح الضيقة ولا الحسابات الانتخابية.من العدل أن نقول إن الشارع العربي لم يكن غائبًا، وإن الشعوب كانت في المقدمة، لكن الحكومات العربية تأخرت كثيرًا. تأخرت في القطع مع الشرعية التي تُبرّر الاحتلال، وتأخرت في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي المتاحة، وتأخرت في تحويل الغضب الشعبي إلى موقف رسمي موحّد.

      لقد كانت الشعوب العربية في الشوارع، ترفع الأعلام، وتقاطع المنتجات، وتدعو لجهادٍ سلمي في وجه الاحتلال. لكن الحكومات، في كثير من الحالات، كانت تُدير أزماتها الخاصة، أو تحسب حساباتها مع القوى الكبرى، أو تنتظر “الضوء الأخضر” من الخارج قبل أن تتحرك. وهذا التأخر لم يُضعف القضية فقط، بل أضعف ثقة الشعوب بحكوماتها.

     لكن اليقظة اليوم تحمل فرصة جديدة، وهي فرصة يجب ألا تُهدر. فالحكومات التي تريد أن تحفظ شرعيتها أمام شعوبها عليها أن تفهم أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية رأي عام فقط، بل أصبحت اختبارًا للصدق السياسي. ومن لا يقف مع فلسطين اليوم، سيقف غدًا وحيدًا أمام شعبه.

نوع آخر

من المهم ألا نبالغ في التوصيف. الانسحاب من قاعة الأمم المتحدة ليس نصرًا عسكريًا، ولا يوقف القتل، ولا يُلزم مجلس الأمن بشيء. لكنه نصر من نوع آخر: نصر للوعي، ونصر للسردية، ونصر للحقيقة أمام محاولات التزييف.

    لقد كانت هذه الخطوة إشارة إلى أن العزلة الدولية للاحتلال تتسع، وأن السردية التي كانت تُروَّج لعقود بدأت تتصدع. وقد رأينا أثرها في اعترافات متتالية بدولة فلسطين، وفي تحركات قانونية أمام المحاكم الدولية، وفي تغيّر لغة كثير من المؤسسات الإعلامية.

    لكن النصر الحقيقي لا يقاس بعدد المقاعد الفارغة، بل بما يُبنى بعدها: هل يتحول هذا الوعي إلى عقوبات فعلية؟ هل يتحول إلى وقف التسلح؟ هل يتحول إلى فتح ممرات إنسانية دائمة؟ هل يتحول إلى إنهاء الاحتلال؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد إن كان المشهد لحظة عابرة أم منعطفًا تاريخيًا.

    والنصر الأهم هو أن العالم بدأ يتحرر من الخوف. لعقود، كان كثيرون يخشون أن يقولوا كلمة حق عن فلسطين، خوفًا من الاتهام بمعاداة السامية، أو من الضغط السياسي، أو من فقدان المناصب. أما اليوم، فقد أصبح قول الخطر الأكبر أن يتحول المشهد إلى “لحظة رمزية” تُستهلك في الإعلام ثم تنسى. فالتاريخ مليء بمواقف مشرفة لم تتجاوز حدود التصريحات. والانسحاب من قاعة لا يكفي وحده، بل يجب أن يُتبع بخطوات ملموسة: مراجعة الاتفاقيات، ووقف التطبيع، وفرض عقوبات على القادة المسؤولين، وملاحقتهم قضائيًا.

   والأهم من ذلك: إعادة بناء الموقف حول مبادئ ثابتة لا تتغير بتغير الظروف، وهذه المبادئ تحتاج إلى إرادة جماعية، وإلى خطاب عربي يعترف بأن القضية الفلسطينية ليست “قضية عاطفية” بل قضية حق وعدالة وسيادة وقانون.    إن الرمزية بلا فعل تُخدّر الضمير، وتُوهم الشعوب بأن شيئًا يتحقق، بينما الميدان يبقى على حاله. والمطلوب اليوم هو تحويل الغضب إلى مؤسسات، والتصريحات إلى قرارات، والانسحابات إلى عقوبات. وإلا، فسيأتي يومٌ ونجد أنفسنا نُشيد بمشهدٍ مضى، بينما الجرح ما زال ينزف. الحق أقل كلفة، وأصبح الصمت أكثر كلفة. وهذا في حد ذاته نصر.إن ما يجري اليوم يشير إلى أن للعالم ضميرًا، لكنه ضميرٌ يحتاج إلى من يوقظه. والذين أيقظوه ليسوا قادة كبارًا فقط، بل طلاب في جامعات، وأمهات، وأطباء، وصحفيون، وناشطون، ومؤثرون على منصات التواصل. وهؤلاء جميعًا صنعوا ضغطًا لا يمكن تجاهله.

    وهذا درس مهم لأصحاب القرار: لا أحد يستطيع أن يوقف وعي الشعوب، ولا أن يمنع الحقيقة من الانتشار. وكل خطوة تُبقي القديم قائمًا ستُقابل بخطوة أكبر من الجمهور، وستظهر في القاعات التي كانوا يظنون أنها ملك لهم وحدهم.

    إن الإنسانية لا تنتصر بالخطب، بل بالحركة. وقد رأينا كيف أن طالبًا في جامعة أوروبية، أو طبيبًا في مخيم، أو أمًا فقدت أطفالها، يمكن أن يُغيّروا مسار النقاش العالمي. وهذه هي قوة الحقيقة: أنها لا تحتاج إلى جيوش، بل إلى ضمائر مستعدة أن تقول “لا”.

في ضوء ما يجري، يجب أن نتوقف عن السؤال: “هل انتهى الظلم؟”، وأن نسأل: “كيف نُنهيه؟”. الانسحاب في الأمم المتحدة كان رسالة، لكن الرسالة تحتاج إلى من يحملها إلى النهاية.

    نحتاج إلى دبلوماسية شعبية، وإلى إعلام بديل، وإلى ضغط مستمر، وإلى مؤسسات تُلاحق المجرمين، وإلى حكومات تتجرأ على قول الحقيقة. ونحتاج، قبل كل شيء، إلى إرادة لا تتراجع عندما تخفت الأضواء.

    إن اليقظة التي بدأت تتسع كالأفق ليست سوى البداية. فقد أدرك العالم أن فلسطين ليست قضية سياسية بعيدة، بل هي امتحان لمعنى الإنسان. ومن نجح في هذا الامتحان، نجح في كل شيء، ومن سقط فيه، سقط في ميزان التاريخ كله.

    وستبقى فلسطين، كما كانت دائمًا، ميزانًا للعدل، واختبارًا للضمير، وسؤالًا لا مهرب منه: إما أن تكون مع الإنسانية، أو أن تكون ضدها. ولا ثالث بينهما.

 


مشاهدات 19
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/09/29 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:44 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1742 الشهر 50852 الكلي 16583372
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير