الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا نفعل لكي يبقى مستقبل للآيزيديين ؟

بواسطة azzaman

10 سنوات على الإبادة الجماعية

ماذا نفعل لكي يبقى مستقبل للآيزيديين ؟

يسرى خليل

 

بعد أكثر من عشر سنوات على الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون، من الطبيعي أن نتحدث عن الذاكرة، وعن العدالة، وعن الضحايا والناجين، وعن مسؤولية الدولة والمجتمع في منع تكرار ما حدث.

لكنني أعتقد أن علينا اليوم أن نطرح سؤالا آخر، وربما يكون أكثر صعوبة:

 ماذا فعلنا فعليا لكي يبقى للإيزيديين مستقبل في العراق؟

- نحن كثيرا ما نتحدث عن التعايش السلمي، ونقول إن داعش لا يمثل العراقيين، وهذا صحيح، لكن علينا أيضا أن نكون أكثر شجاعة في مناقشة المشكلة الفكرية التي كانت وراء ما حدث.

 داعش هزم عسكريا، لكن هل انتهى الفكر الذي أنتج داعش؟

- أنا لا أتحدث هنا عن دين أو طائفة أو مجتمع بأكمله، ولا أعتقد أن من العدل أن نحمل مجتمعا كاملا مسؤولية جرائم تنظيم إرهابي، لكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن نتجاهل وجود خطاب تكفيري وإقصائي، أو نتعامل معه وكأنه انتهى بانتهاء سيطرة داعش على الأرض.

خطاب ديني

مواجهة التطرف لا تكون أمنيا فقط، وإنما تبدأ من المدرسة، ومن المناهج، ومن الخطاب الديني، ومن الإعلام، ومن الطريقة التي نربي بها أبناءنا على رؤية الإنسان المختلف عنا في الدين والقومية والثقافة.

فإذا أردنا فعلا ألا تتكرر المأساة، علينا ألا ننتظر ظهور داعش آخر لكي نتحرك.

لكن هناك قضية أخرى تقلقني شخصيا، وربما لا نتحدث عنها بما يكفي.

 بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، كم إيزيديا سيبقى فعلا في العراق؟

- هناك أعداد كبيرة غادرت، وأعداد أخرى تفكر في المغادرة، وهناك أطفال وشباب إيزيديون ولدوا أو نشأوا في ألمانيا وبريطانيا وأستراليا وكندا وغيرها، وكل سنة تمر تجعل علاقتهم بالعراق مختلفة عن علاقة آبائهم وأجدادهم به.

وهذا أمر طبيعي، فالإنسان يبني حياته حيث يجد الأمن والتعليم والعمل والمستقبل.

لكن بالنسبة لنا كعراقيين، يجب أن نسأل:

 ماذا يعني استمرار هذا الاتجاه؟

- هل لدينا أصلا قاعدة بيانات وطنية دقيقة تخبرنا كم إيزيديا غادر العراق؟ أين يعيشون؟ كم عدد الشباب والكفاءات بينهم؟ كم شخصا عاد؟ كم شخصا يريد العودة؟ وما الذي يمنعه؟

والأهم من ذلك كله:

 لماذا يفكر من بقي في العراق بالمغادرة؟

- أنا شخصيا عدت من لندن، لأنني شعرت أن الغربة، مهما قدمت للإنسان، لا يمكن أن تكون بديلا كاملا عن الوطن.

لكنني لا أستطيع أن أطلب من كل إيزيدي يعيش في الخارج أن يفعل ما فعلته أنا.

لا أستطيع أن أقول له: عد إلى العراق، من دون أن أسأله ماذا سيجد عندما يعود.

ولا أستطيع أن أقول للشاب الموجود في سنجار: لا تهاجر، إذا لم أوفر له تعليما جيدا، وفرصة عمل، وأمنا، وشعورا بأن له مستقبلا هنا.

لذلك ربما السؤال الخطأ هو: لماذا لا يعود الإيزيديون؟

والسؤال الصحيح هو:

 ماذا فعلنا حتى نجعل العودة ممكنة؟ وماذا فعلنا حتى لا يفكر الموجود هنا أصلا بالمغادرة؟*

هذه بالنسبة لي هي قضية المستقبل.

ولهذا أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال خطوة أخرى إلى الأمام.

نحن بحاجة إلى أن ندرس مستقبل الإيزيديين، لا أن نوثق ماضيهم فقط.

ومن هنا أطرح اليوم فكرة أتمنى أن تناقش بجدية:

 لماذا لا يكون لدينا ((*مرصد مستقبل الإيزيديين في العراق))*

ليس مؤسسة أخرى تقيم الندوات ثم تنتهي مهمتها بانتهاء الندوة، وإنما جهة علمية تجمع البيانات، وتتابع الهجرة والعودة، وتدرس أوضاع الشباب والتعليم والعمل والكفاءات والهوية والثقافة، وتسأل الناس أنفسهم ماذا يريدون، وتحاول أن تجيب عن سؤال بسيط لكنه مصيري:

 إلى أين نحن ذاهبون؟

 أين سيكون المجتمع الإيزيدي في العراق بعد عشر سنوات؟ وبعد عشرين سنة؟

- وما الذي يجب أن نفعله اليوم حتى لا نكتشف بعد عشرين عاما أننا كنا نتحدث عن حماية التنوع العراقي، بينما كان أحد أقدم مكوناته يتناقص ويغادر بصمت؟

وأعتقد أيضا أن سنجار تستحق ان تكون جزءا أساسيا من الإجابة.

أنا أؤمن بفكرة إنشاء جامعة أو مؤسسة علمية في سنجار، وأصر على سنجار تحديدا.

ليس لأنني أريد مؤسسة مغلقة على الإيزيديين، ولا لأنني أريد عزل الإيزيديين عن بقية المجتمع العراقي. بالعكس تماما.

أريد مؤسسة عراقية مفتوحة، يدرس ويعمل ويتعاون فيها الإيزيدي والمسلم والمسيحي وغيرهم، وتضم في الوقت نفسه مراكز متخصصة بتاريخ المجتمع الإيزيدي وثقافته وتراثه وحقوقه ومستقبله.

اقليات عراقية

وجود مؤسسة علمية في سنجار ليس مجرد بناية جديدة.

عندما نبني جامعة أو مركزا علميا هناك، فنحن نجلب طالبا، وأستاذا، وباحثا، وفرصة عمل، ونشاطا اقتصاديا، ونخلق سببا جديدا يجعل الإنسان يفكر بالبقاء بدلا من التفكير بالمغادرة.

نحن بذلك لا نعيد إعمار الحجر فقط، بل نعيد بناء الإنسان والمكان معا.

ونقول لأبنائنا إن سنجار ليست مكانا نتذكر فيه ما حدث عام 2014 فقط، وإنما مكان يمكن أن نصنع فيه ما سيحدث عام 2030 و2040 وما بعدهما.

وهنا أريد أن أؤكد شيئا أؤمن به:

*الأقليات العراقية ليست عبئا على الدولة، وإنما جزء من ثروة العراق الحضارية وهويته.*

والحفاظ على خصوصية أي مكون لا يعني عزله عن الآخرين. التعايش الحقيقي لا يعني أن أطلب من الأقلية أن تتخلى عن خصوصيتها حتى تندمج، وإنما أن أبني دولة يستطيع فيها الإنسان أن يكون إيزيديا وعراقيا في الوقت نفسه، من دون أن يشعر بوجود تناقض بين الاثنين.

ولهذا أتمنى ألا تنتهي هذه الندوة عندما تنتهي كلماتنا.

لقد عقدنا خلال السنوات الماضية مؤتمرات وندوات كثيرة، وصدرت توصيات كثيرة أيضا، لكن السؤال الذي يهم الناس في النهاية بسيط:

 ماذا تغير على الأرض؟

لذلك أتمنى أن نخرج من هذا اللقاء بعدد محدود من الخطوات العملية، لا بعشرات التوصيات.

نحتاج إلى قاعدة بيانات حقيقية عن الإيزيديين في الداخل والخارج، ودراسة جادة لأسباب الهجرة وشروط العودة، وبرامج للشباب والكفاءات، ودراسة عملية لإنشاء مؤسسة علمية في سنجار، وعمل حقيقي على المناهج والخطاب الديني والتربوي لمواجهة الفكر التكفيري والإقصائي.*

والأهم أن نحدد لكل خطوة جهة مسؤولة، ومدة زمنية، وطريقة نقيس بها ما تحقق.

حتى عندما نجتمع مرة أخرى لا نعيد الأسئلة نفسها.

وأختم بسؤال أتمنى أن يبقى معنا بعد انتهاء هذه الجلسة:

إذا اجتمعنا بعد عشر سنوات أخرى، فماذا نريد أن نقول عن الإيزيديين؟

هل سنجتمع مرة أخرى لنتحدث فقط عن الإبادة والهجرة والنزوح؟

أم نستطيع أن نقول إننا تعلمنا من الماضي، وحققنا شيئا من العدالة، والأهم أننا نجحنا في جعل الإيزيدي يشعر بأن مستقبله ومستقبل أولاده يمكن أن يكون هنا، في العراق؟

فالذاكرة ضرورية، والعدالة ضرورية، لكنـــــــــــــهما وحدهما لا تكفيان، فالمسؤولية ركن ثالث في هذا المثلث اليزيدي.

الوفاء الحقيقي للذين فقدناهم هو ألا نفقد الأجيال القادمة أيضا.

 


مشاهدات 62
الكاتب يسرى خليل
أضيف 2026/08/12 - 4:07 PM
آخر تحديث 2026/08/13 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 61 الشهر 13199 الكلي 16102903
الوقت الآن
الخميس 2026/8/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير