نبض القلم
دبلوماسية الإنسحاب
طالب سعدون
اختتمت في الثامن والعشرين من سبتمبر - ايلول الماضي جلسات المناقشة العامة رفيعة المستوى في دورة الجمعية العامة للامم المتحدة الحادية والثمانين بمشاركة واسعة من قادة ورؤساء وممثلي العالم لبحث ابرز القضايا السياسية والدبلوماسية والازمات الداخلية والخارجية ومنها ازمات الشرق الاوسط ، تتصدرها قضية فلسطين والاعتداءات الاسرائيلية على غزة وحل الدولتين ، وهي مسالة متكررة على جدول الاعمال ولكنها تصطدم بتعنت (الكيان) دائما ومن يقف معه .
وفي هذه الدورة من الاجتماعات كانت غزة في صدارة المناقشات خاصة وقد جاءت بعد حرب عدوانية كبيرة عليها استمرت اكثر من سنين ولا زال العدوان مستمرا باشكال مختلفة .
ومما يسجل لهذه الدورة ان الاجتماعات انتهت بهزيمة مدوية لنيتنياهو ، ومن سوء حظه انها تكررت للسنة الثانية على التوالي فقد قوبل وهو يتوجه الى المنصة لالقاء خطابه بمعارضة دبلوماسية واسعة بانسحاب العشرات من ممثلي الدول المشاركة .
77 دولة ، تمثل الدول العربية وقارات مختلفة ( آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا، وأوقيانوسيا) انسحبت فبدت القاعة شبه فارغة ، وكأن نيتنياهو يخاطب نفسه.
هذا الموقف الدبلوماسي الدولي الكبير يعكس الرفض الواسع والعزلة الدبلوماسية للسياسة ( الاسرائيلية ) و استنكار الابادة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني وخاصة في العدوان الاخير على غزة وانتهاك حقوقه في اقامة دولته على ارضه .
دبلوماسية المقاعد الفارغة قوة ناعمة اخرى ووثيقة حية لا يمكن التغطية عليها، خلاصتها اعتراض هذه الدول على حضور نيتنياهو ورفض سماع ما يقوله من اكاذيب باتت معروفة لهم عن سياسته الاجرامية وارتكابه الابادة الجماعية، وسحبت ما تبقى من رصيد لهذا الكيان ليضاف الى رصيد فلسطين وتاييد دفاع غزة المشروع ضد العدوان الصهيوني الغاشم .
هذا الانسحاب الكبير اثار حفيظة نيتنياهو فهاجم المنسحبين بالفاظ غريبة عن الدبلوماسية ووصفهم بما لا تليق بهذا المحفل الدولي بانهم (جبناء اخلاقيا) مما اثار موجة اخرى واسعة من الغضب والسخط ضده ، وجاء الرد من المنبر الدولي نفسه قويا وسريعا عندما اعتلت وزيرة خارجية آيسلندا، (كاترين غونارسدوتير) المنصة لتردعليه وتصوب نقدها بوضوح اليه بقولها (لقد سمعنا كلمة الجبناء الاخلاقيين من هذا المنبر ، وبالنسبة لي ان الجبناء الاخلاقيين هم اولئك الذين يرفضون الجلوس والتفاوض لتحقيق سلام عادل ودائم والذين يمنعون وصول المساعدات الانسانية الى اشخاص في حاجة ماسة اليها والذين يخافون القانون الدولي ويستخفون به مرارا وتكرارا) على حد وصفها .
كلمة الوزيرة مثلت صفعة سياسية واخلاقية اخرى للكيان من أعلى منصة دولية لتصل الى العالم كله ، وهي انتصار لفلسطين من دون الحاجة حتى للتصريح باسم المعني بالرد ، على حد ما يرى مراقبون ومحللون وسياسون .
الخلاصة : تعد دبلوماسية الانسحاب قوة ناعمة نوعية واضافة دبلوماسية متميزة ووجه اخر من وسائل الاعتراض ضد نيتنياهو وكيانه ، هي من القوة بحيث تعبرعن الموقف المناسب بصورة مباشرة ربما لا تستطيع الخطابات والتصريحات والبيانات ان تفيه حقه وتفعل فعلها المباشر بالاعتراض ليس برفض سماع كلمته فقط وانما بوجوده ايضا في هذا المحفل الدولي الكبير ، وهو مجرم تطارده
العدالة الدولية .
كلام مفيد :
«الحق مثل الشمس، قد يغيب لحظة لكنه لا يلبث أن يشرق من جديد .. (مانديلا)