العراق والكويت: ماذا تستطيع خريطة الطريق أن تغيّر؟
محمد علي الحيدري
اتفق العراق والكويت، عقب لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي وولي العهد الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح في نيويورك، على تشكيل فريق مشترك يراجع الملفات العالقة ويقدم خريطة طريق وتوصيات إلى قيادتي البلدين خلال ثلاثين يوماً. ووفق البيان الذي نقلته وكالة الأنباء الكويتية «كونا» في 26 أيلول، سيعقد الفريق اجتماعاته بالتناوب بين بغداد والكويت إلى حين إنجاز مهمته. النص واضح في حدوده: المهلة مخصصة لإعداد توصيات، وليست موعداً لإنهاء الخلافات.
تنبع أهمية الاتفاق من اختياره العمل المشترك بدلاً من ترك القضايا الحساسة رهينة التصريحات المتقابلة. ففي علاقة العراق بالكويت ذاكرة مثقلة يصعب تجاهلها، ومصالح حاضرة لا يجوز تعطيلها بسبب تلك الذاكرة. وقد أثبتت السنوات الماضية أن ارتفاع النبرة حول أي ملف خلافي لا يقرّب وجهتي النظر بالضرورة؛ بل قد يضيّق مساحة التفاوض ويجعل التراجع عن موقف معلن أكثر كلفة على الطرفين.
ومن الملفات التي تحتاج إلى هذه المقاربة تنظيم الملاحة في خور عبد الله واستكمال البحث في الحدود البحرية. لكن البيان المشترك لم يسمِّ الملفات المدرجة في جدول عمل الفريق، ولذلك سيكون من المبكر افتراض أن الطرفين اتفقا على معالجة محددة لأي منها. الاختبار الأول لخريطة الطريق هو أن تُبيّن القضايا التي ستتناولها، وما يمكن حسمه فنياً، وما يحتاج إلى قرار سياسي أو مسار قانوني أطول.
تحتاج بغداد إلى أن تطمئن مواطنيها بأن حقوق العراق ومصالحه البحرية ستكون موضع بحث جاد، وتحتاج الكويت بدورها إلى ضمانات بأن أي تفاهم قابل للاستمرار ويحترم ما تعدّه من حقوق ومصالح ثابتة. ولا يخدم أياً منهما تقديم التفاوض بوصفه مباراة ينبغي أن يخرج منها طرف منتصراً وآخر خاسراً. فالقضايا المرتبطة بالحدود والملاحة لا تستقر بتغليب الخطاب السياسي على الوثائق والخرائط والقانون، كما لا تستقر بترتيبات فنية تفتقر إلى قبول سياسي واضح.
لهذا سيكون نجاح الفريق مرهوناً بطريقة عمله بقدر ما سيكون مرهوناً بما يقدمه في نهاية الشهر. ينبغي أن تكون لديه ولاية محددة، ومعلومات متفق على مراجعتها، وقنوات اتصال تمنع تحول أي خلاف فني إلى أزمة علنية. وإذا تعذر الاتفاق على ملف بعينه، فإن تحديد موضع الخلاف والسبيل إلى مواصلة بحثه سيكون تقدماً أكثر صدقاً من إعلان واسع لا يوضح ما تحقق.
وللعلاقة مجال أرحب من الملفات العالقة. فالتجارة، وحركة النقل، وأمن الحدود، والتعاون الاقتصادي مصالح يومية تمس البلدين. ويمكن للتقدم فيها أن يبني قدراً من الثقة يساعد على تناول القضايا الأصعب، من غير أن يكون بديلاً عن معالجتها. أما تعليق مجمل العلاقة على نتيجة ملف واحد، فيمنح الخلاف قدرة أكبر من حجمه على تحديد مستقبل الجوار.
تستحق مبادرة الثلاثين يوماً الترحيب الحذر: ترحيباً لأنها تنقل الحوار إلى طاولة عمل مشتركة، وحذراً لأن خريطة الطريق لم تُكتب بعد. ما ينتظره العراقيون والكويتيون ليس وعداً بأن تنتهي جميع الخلافات سريعاً، بل دليلاً على أن حكومتيهما تستطيعان إدارتها بصراحة ومهنية، وأن حسن الجوار يمكن أن يتحول من عبارة دبلوماسية إلى عمل قابل للقياس.