الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التحكيم التجاري في ضوء رؤية الخوئي.. بين فقه النظام ومرونة العصر

بواسطة azzaman

التحكيم التجاري في ضوء رؤية الخوئي.. بين فقه النظام ومرونة العصر

عبد المهدي الشيخ صالح

 

لم يعد التحكيم التجاري مجرد بديل إجرائي عن القضاء، بل أصبح في كثير من الحالات خياراً تفرضه طبيعة التعاملات الحديثة وسرعتها. ومع هذا التحول، قد يبدو للبعض أن التحكيم فكرة مستحدثة بالكامل، لكنها في الحقيقة تمتد بجذورها إلى عمق التفكير الفقهي، كما يظهر بوضوح في طرح السيد أبو القاسم الخوئي عند حديثه عن طبيعة القضاء ووظائفه.

نوعين من القضاء

يميّز السيد الخوئي بين نوعين من القضاء: قاضٍ يُنصّب من قبل السلطة العامة، وآخر يختاره الخصوم للفصل في نزاعاتهم. هذا التفريق لا يقف عند حدود التسمية، بل ينعكس مباشرة على شروط كل منهما وحدود ولايته. فالقاضي المنصوب يُشترط فيه الاجتهاد، باعتباره صاحب ولاية عامة، بينما لا يُلزم قاضي التحكيم بهذا الشرط. هنا تبرز نقطة لافتة: التحكيم، حتى في جذوره الفقهية، يفسح المجال للتخصص، ويمنح الكفاءة الفنية دوراً لا يقل أهمية عن التأهيل الفقهي العام.

ولا تقل مسألة العدالة أهمية عن ذلك. فالسيد الخوئي لا يتجه نحو المثالية الصارمة، بل يكتفي بشرط “عدم الفسق” لضمان أهلية القاضي. هذا الطرح يبدو واقعياً أكثر منه تنظيرياً؛ إذ ينطلق من خشية واضحة: ماذا لو تعذر العثور على قضاة يستوفون أعلى درجات العدالة؟ النتيجة ستكون تعطّل القضاء نفسه. ومن هنا، يصبح التيسير وسيلة لحماية النظام، لا انتقاصاً منه. وهي ذات الفكرة التي يقوم عليها التحكيم الحديث، حيث تُقدَّم الكفاءة وسرعة الحسم لضمان استقرار المعاملات.

ومن يتابع تطبيقات التحكيم اليوم، يلاحظ أن التفاصيل الإجرائية فيه ليست هامشية كما قد تبدو. خذ مسألة اللغة مثلاً: الاتفاق على لغة التحكيم ليس إجراءً شكلياً، بل ضمانة حقيقية لحق الدفاع. أي تجاوز لهذا الاتفاق قد يخل بمبدأ المواجهة بين الخصوم، ويضعف الأساس الذي يقوم عليه التحكيم، وهو رضائية الأطراف. ببساطة، التحكيم لا يحتمل الخروج عن إرادة المتعاقدين، لأن هذه الإرادة هي مصدر شرعيته الأولى .

ورغم أن التحكيم يقوم على تقليص دور القضاء، إلا أن هذا الدور لا يختفي تماماً. فالقضاء يظل حاضراً عند الضرورة، خصوصاً في المسائل الوقتية والعاجلة. بعض الأنظمة، كالقانون الفرنسي، تعاملت مع هذه العلاقة بمرونة، فسمحت بتداخل إيجابي بين القضاء والتحكيم. في المقابل، ما زالت بعض التشريعات، ومنها القانون العراقي، تميل إلى قدر أكبر من التحفظ، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول الحاجة إلى إعادة التوازن بما يخدم فعالية التحكيم دون المساس بدور القضاء.

اشتراط التخصص

أما من حيث الأشخاص، فإن التحكيم يذهب أبعد من القضاء التقليدي في اشتراط التخصص. فالمحكم ليس مجرد قاضٍ، بل خبير في طبيعة النزاع. وإذا اتفق الأطراف على صفات معينة فيمن يفصل بينهم، فإن هذا الاتفاق يصبح ملزماً إلى حد أن مخالفته قد تؤدي إلى بطلان الحكم. هنا تتجلى فكرة “العدالة التقنية”، حيث لا يكفي تطبيق النص، بل يجب فهم البيئة التي نشأ فيها النزاع.

في ضوء كل ذلك، تبدو أفكار السيد الخوئي، رغم انتمائها إلى سياق فقهي تقليدي، قريبة بشكل لافت من روح التحكيم المعاصر. فهي تقوم على التوازن بين المثال والواقع، وتمنح استقرار النظام أولوية واضحة دون إغفال المعايير الأخلاقية.

ويبقى السؤال مطروحاً: هل التحكيم تطور طبيعي في مسار العدالة، أم خطوة نحو خصخصتها؟ في ظل ما يشهده العالم من تحولات، يبدو أن التحكيم لم يعد مجرد خيار بديل، بل مساراً يتعزز يوماً بعد آخر. والتحدي الحقيقي لا يكمن في قبوله أو رفضه، بل في تنظيمه على نحو يضمن بقاء العدالة وفية لجوهرها: حماية الحقوق وتحقيق الإنصاف.

عضو المركز العراقي للتحكيم

 

 


مشاهدات 60
الكاتب عبد المهدي الشيخ صالح
أضيف 2026/06/13 - 1:40 PM
آخر تحديث 2026/06/13 - 4:33 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 684 الشهر 12482 الكلي 15887963
الوقت الآن
السبت 2026/6/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير