منى الصراف في العراق
عزيز جبر الساعدي
نص منى الصرّاف يحمل شهادةً شخصية وجمعية في آنٍ واحد؛ فهو لا يروي سيرة امرأة فحسب، بل يختزل عقوداً من الخوف والحروب والحصار والتحولات التي عاشها العراقيون. وتتجلى قوة النص في تكرار اللازمة: «في يومٍ ما على أرض الوطن»، التي تتحول إلى جرسٍ شعري يستدعي الذاكرة ويؤكد أن هذه الأحداث لم تكن استثناءً، بل جزءاً من حياة يومية قاسية.
ما يلفت في النص أن منى الصرّاف لا تتحدث من موقع الضحية فقط، بل من موقع المرأة التي قاومت بوسائل متعددة؛ حملت الصحف الممنوعة، وأنقذت الطالبات من الاعتقال، وربّت أبناءها وسط القصف، وتحولت إلى أم وأب ومعلمة وطبيبة وسائق في زمن الانهيارات. إنها صورة المرأة العراقية التي دفعتها الظروف إلى أداء أدوار تفوق طاقتها، لكنها استمرت في حماية أسرتها وأحلامها.
وتبلغ القصيدة ذروتها في المفارقة المؤلمة بين طفولة كانت تنام تحت النجوم وتصنع من الضوء أساور للأمنيات، وبين واقعٍ امتلأ بالرصاص والمطاردات والخبز المعجون بالحرمان. وهنا يتحول الوطن من مكان للحنين إلى فضاء للاختبار الدائم بين البقاء والرحيل.
أما خاتمتها:
«عرفتُ أننا شعبٌ ملعوبٌ بنا ولسنا اللاعبين الحقيقيين فيه»
فهي ليست مجرد خلاصة شخصية، بل تأمل مرير في مصير أجيال وجدت نفسها غالباً داخل صراعات صنعتها قوى أكبر منها، بينما دفعت أثمانها من أمنها وأعمارها وأحلامها.
إن منى الصرّاف، وهي تقول: «ما زالت تعيش في العراق»، لا تضيف معلومة جغرافية فحسب، بل تمنح النص خاتمة رمزية؛ فالبقاء هنا موقف، والصمود شهادة، والكتابة فعل مقاومة ضد النسيان. إنها عذوبة معجونة بالألم، كما ارى لكن هذا الألم لم يطفئ فيها القدرة على الشهادة والحب والإيمان بأن الذاكرة تستحق أن تُروى.