البلاغة الداخلية
حيدر عبد الرحمن الربيعي
مدخل من التعريف إلى الإشكال:
البلاغة في أصلها اللغوي من «بلغ»
أي وصل وانتهى إلى غايته وهذا المعنى البسيط يحمل مفتاحًا خفيًا فالبلاغة ليست جمال القول بل وصوله
أما في الاصطلاح فهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته تعريفٌ دقيق
لكنه يصف البلاغة من خارجها
كأنها نظام أو أداة لكن ماذا لو كان الكلام مطابقًا للحال ومع ذلك لا يصل هنا نغادر التعريف وندخل التجربةتمهيد : البلاغة حين تصبح أثرًا ليست كل عبارةٍ محكمةٍ تُصيبولا كل عبارةٍ بسيطةٍ تخيب
هناك كلماتتُقال فتُنسى وأخرى تُقال فتُقيم فيناكأن البلاغة الحقيقيةلا تُقاس بما يُقالبل بما يبقى ولهذا كان أثر الوحي
لا يقف عند السمع بل يتجاوز إلى التحول
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ بنية لغوية في غاية البساطة لكنها تفتح أفقًا أخلاقيًا لا ينتهي وساتناول مفهوم البلاغة الداخلية من عدة محاور وكالتالي:
المحور الأول | البلاغة بوصفها علاقة لا مهارة ليست البلاغة مهارةً لغوية فقط
بل علاقة بين الإنسان وما يقول
حين تنفصل هذه العلاقة يصبح الكلام صحيحًا… لكنه بارد رولان بارت يرى أن النص ليس ما يقوله الكاتب فقط
بل ما يُنتجه في القارئ وهذا يعيدنا إلى جوهر البلاغة أنها ليست في الصياغة
بل في الاستجابة التي تخلقها
فالكلمة لا تكون بليغة إلا إذا وجدت مكانها في الآخر المحور الثاني | البلاغة كأمانة داخلية ليست البلاغة أن تختار أجمل الألفاظ بل أن لا تخون المعنى
أن تقول ما تراه لا ما يُنتظر منك أن تقوله
كونفوشيوس كان يؤكد أن فساد اللغة يؤدي إلى فساد المعاني وأن إصلاح العالم يبدأ بإصلاح الأسماء وكأن البلاغة هنا ليست فنًّا بل مسؤولية وفي الأثر عن علي بن أبي طالب «المرء مخبوء تحت لسانه» فالكلمة ليست غطاءً بل كشف
وحين تكون الكلمة أمينة
تصبح البلاغة نتيجة… لا غاية
المحور الثالث | البلاغة بوصفها اقتصادًا في القول ليست البلاغة في كثرة الكلام
بل في دقته أن تقول ما يكفي
ثم تتوقف إرنست همنغواي بنى أسلوبه على ما يُعرف بنظرية الجبل الجليدي حيث يظهر جزءٌ صغير من المعنى
ويُخفى الباقي في العمق وهذا هو جوهر البلاغة الداخلية
أن تترك للمتلقي مساحة ليكمل وفي القرآن تأتي الإشارات أحيانًا أبلغ من التصريح﴿وَالضُّحَى﴾كلمة واحدة
لكنها تحمل زمنًا وشعورًا ووعدًافالبلاغة ليست شرحًا بل فتحٌ لباب المحور الرابع | البلاغة كتحوّل في الوعي البلاغة التي لا تغيّر شيئًا ليست بلاغة قد تكون جميلة
لكنها لا تمسّ الجوهر سورين كيركغور
كان يرى أن الحقيقة ليست فكرة تُقال
بل تجربة تُعاش وهذا ما يجعل البلاغة الداخلية مرتبطة بالوجود لا باللغة فقط
حين تصيب الكلمة موضعها لا تتركك كما أنت بل تعيد ترتيب رؤيتك
ولو قليلًا شاهد أدبي | من عالم عبد الرحمن مجيد الربيعي
في أعمال عبد الرحمن مجيد الربيعي
لا يتكلم الأبطال كثيرًا… لكنهم يقولون ما يكفي كأن شخصياته تؤمن أن الكلام حين يقترب من الحقيقة يخفت صوته… ويشتد أثره في أكثر من نص نجد الإنسان عنده لا يشرح ألمه بل يعيشه والقارئ هو من يلتقط المعنى دون وساطة وكأن الربيعي كان يكتب بروح تقول إن أقصر الطرق إلى القارئ ليس الإكثار من القول بل إصابة موضعه وفي سردياته تبدو الجملة وكأنها عابرة لكنها تحمل خلفها زمنًا كاملًا من التجربة فهو لا يزيّن المعنى بل يتركه يظهر كما هو بكل ما فيه من صدقٍ ونقصٍ وارتباك ومما يُقرأ في روح كتابته
أن الإنسان لا يحتاج إلى كثير من الكلام
إذا كان ما يقوله يشبهه وأن الجملة التي تُكتب بصدق تجد طريقها وحدها
وأن الحكاية لا تكون بليغة حين تُروى جيدًا بل حين تُحسّ
وفي الخاتمة اقول :
ان البلاغة التي تسكن الإنسان ليست ما يجعل النص جميلًا فقط بل ما يجعله حيًا
أن يكون القول امتدادًا لك لا قناعًا عليك
وأن تصل بالكلمة إلى حيث لا تصل الزينة
حينها لا تبحث عن البلاغة
ستجدها وقد سبقتك إلى قلب من يسمعك...