أحب أمتي لكنها ليست خير الأمم
عبدالجبار نجم المرسومي
جبلتُ على حب العروبة وعشق العراق، لا شيء عندي بكل هذه الدنيا يضاهيهم.
تستفز مشاعري دوما كل كلمات الوطنية وأناشيد القومية العربية. حتى أن دموعي لا تستأذنني بالخروج ولا تكترث بتلك الدموع. ولا تكترث تلك الدموع بمجلس أنا به، عظيماً كان أم تافهاً، مع كل كلمة تتغنى بعروبتي أو بالعراق.
وتمر السنين ونغذي مشاعرنا بكل ما يعمق الشعور القومي العربي والعراقي الوطني.
فكيف لا ونحن سلان تلك الأمجاد وتلك القيم العالية؟
وقد خصنا الله سبحانه وتعالى بالآية الكريمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
وكم كانت فرحتي وفرحة كل عربي عظيمة عندما علمنا أن «كان» لا يعني دائماً الماضي، بل يعني في مواطن عدة، ومنها هذه الآية الكريمة، أنه فعل ماضٍ مستمر دائم لا ينقطع.
لكن الصدمة الأولى هي أن الله سبحانه وتعالى كان يقصد بهذه الآية المسلمين ولم يخص العرب، فالعرب قومية وليست ديانة، وإن كان (العرب مادة الإسلام).
ثم إن الآية الكريمة لها شروطها لتتحقق، وتكون الأمة هي خير الأمم، (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
فهل كانت أمتنا قد أدت شروط هذه الآية الكريمة الثلاث؟ هل كنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟ وهل آمنا بالله قلباً ولساناً؟
من هنا خرجنا من تسيد أمم العالم عند الله سبحانه وتعالى.
أمام هذا الابتعاد عن سباق الأفضلية والاصطفاء الرباني للأمم، ما علينا إلا أن ننظر للأمر بمنظار دنيوي، وما هي مكانتنا الحقيقية بين الأمم، وليس ما نعيشه في خيالنا بعد أن نجتر أفيون ماضينا الزاهر.
ونوهم أنفسنا بأن كل أسباب تخلفنا هو نتيجة مؤامرات أعداء العرب والمسلمين ضدنا.
إنني لا أنكر أن هناك مؤامرات ومؤامرات عظيمة تحاك ضدنا، ولكن أين نحن من التصدي لها? وقبل هذا أين نحن من التمييز بين نتائج المؤامرات وبين خوار إرادتنا التي باتت عاجزة عن تغيير الواقع.
إن أغلبنا ينظر للواقع المزري نظرة الساخر منه، ولا يرى نفسه هو جزء من هذه السخرية.
وآخرون محبطون بالكامل، وينتظرون التغيير من السماء. فاتنا أن العالم يتقدم بخطى حثيثة ومرعبة نحو مستقبل لا مكان به للكسالى، ولا مكان به لغير أولى العزم الذين يشمرون عن سواعدهم، وتتفجر أفكارهم ومواهبهم بكل ما هو استثنائي، وينفضوا عن عباءتهم رمال الصحراء، ويرتدوا من جديد ثوب الحضارة، وأن يعملوا للمستقبل وللمستقبل البعيد.