الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نداءٌ من القلم إلى العالم


نداءٌ من القلم إلى العالم

ناز عدنان البوتاني

 

أكتبُ نيابةً عن أحكامٍ لم تُصدرها كلُّ الفلسفاتِ الأدبية، وعن كلِّ النصوصِ المنثورة، والأشعارِ المُعلَّقة بوصفها إرثًا ثقافيًّا، وعن كلِّ القصصِ القصيرة التي لم تكتمل نهاياتُها، وتبادلت فيها أدوارَ أبطالِ الحكايات.

وعن كلِّ الروايات التي ضاع القارئ في عوالمها، وبذل قصارى جهده كي ينجو من أحداثها، فبقي هناك عالقًا، يغزو الفكرةَ في ميادين عقله، وبيده بندقيةٌ مليئةٌ بالكلام، لا تُطلق إلا حين ينفجر الصمت.

وعن كلِّ القصائد الموزونة على بحورها، وعن كلِّ الأشعار التي عجز الشاعر عن لحنها، فنشز لحنُها.

وعن كلِّ الشعارات المدرجة تحت البند السابع لاتفاقيةٍ معيّنة، وعن الترقيات العلمية التي تبقى قيدَ المعالجة حتى يُطلَق سراحُها، فيترقّى الأستاذ، وما دون ذلك عبثٌ.

وعن كلِّ المهندسين، وبنودهم المشروطة في البناء، والحسابات، والمفاعلات، كي يبقوا سالمين من كلِّ الحوادث التقنية.

وعن كلِّ البنود القضائية؛ فحين يُصدر القاضي قراره، يبقى المتهمُ متهمًا حتى تثبت براءتُه، وإن شهد عليه الزور ظلمًا، أو ساقه إلى اعتقالٍ مؤبَّدٍ في سجنٍ تنزف جدرانُه من فرط الوصب، مأهولٍ بمحكومين أبرياء غدر بهم الزمن، وفتكت بهم شهادةُ البهتان.

وعن كلِّ القوانين المدرجة تحت البنود المشرَّعة في شتّى القضايا، ولغةِ الحوار عند القانوني، وكيفية إدارة الأمور من زاويته، وتبرئةِ المتهم بفلسفته القانونية وممارسته الدائبة لعمله.

وعن كلِّ أولئك الذين رأوا في السجن نجاتَهم، وفي ميادين الحرب انتصارَهم، وفي بساتين أوطانهم قبضتَهم الأولى على جذور الانتماء، حين حُرموا حقَّهم في أرضٍ سُلِبت منهم، وزُرعت في غير تُربتها، فباتت كحمامةٍ تائهةٍ تبحث عن جناحيها المكسورين لتحلِّق في سماءِ الوطن بحريةٍ لا يُقيِّدها قمعٌ ولا كبت، وكي تنهض في أمةٍ ترعرعت في ظلال الاستبداد، وتأسست على أنظمةٍ ديكتاتورية أورثت شعوبَها أوزار العنصرية.

وعن كلِّ سلالات الملوك، وشغفهم اللامتناهي باستدامة الحكم.

وعن كلِّ الهتافات السياسية التي تُحرِّض المواطن على توريث الضغائن بين إخوته، والتي لا تُبنى على قيمٍ ولا مبادئ ولا أُسُس، بل تُنمِّي العصبية والتطرّف فيما بينهم، رغم أن الحقيقة ماثلةٌ أمامهم.

وعن كلِّ أبطال الكيبورد، وهم يزرعون الفتن خلف الشاشات، ولا يملكون الجسارة حتى في مواجهة أنفسهم؛ فالحقُّ والحقيقةُ قد عميت عنهما أبصارُهم.

وعن كلِّ المقالات التي وُثِّقت كي يتسنّى للقارئ أن يستجلي حلول المشكلات والحوادث التي لا يكاد يمضي يومٌ إلا ونطالعها في نبذة آخر الأخبار، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

وعن كلِّ العاملين في الفضائيات، وهم يبثّون وباء الحقد فيما بينهم، ويُلوِّثون الفضاء بألسنتهم البذيئة.

وعن كلِّ أولئك الذين أضاعوا ذواتهم في منتصف الطريق، وجلسوا شاخصين إلى السماء، يرجون رحمة ربِّهم.

وعن كلِّ البلدان المتطرّفة التي تُطالب بحقوقها، وتنسى مَن ارتشفت الحربُ من دمائهم ليظفروا بأرضهم، حاملين جذور الوطن على أكتافهم ليغرسوها في بساتينهم الوارفة.

وعن كلِّ مَن سلبوا الناس حقَّهم في نيل حريتهم، وفي ثمرة كدحهم، وقوت يومهم.

وعن كلِّ الذين أنبتوا اليأس في بساتين الأحلام، ولم يحصدوا من ثمارها شيئًا، بل تناثرت سنابلُها، وتهاوت أوراقُها حين سُقيت بمياه الاندثار.

وعن كلِّ المسلسلات التي علَّمتنا كيف نصون شروق شمسنا الداخلية، لنستظلَّ بدفئها حين يصفعنا زمهرير البرد.

وعن كلِّ القوانين السياسية، والأحكام قيد التنفيذ، والمتهمِ في سجنه بين قضبان أفكاره المتشابكة، كأنَّ الأبواب أمامه نهرٌ جارف؛ إن اقترب منه غرق.

وعن كلِّ السياسات المُربِكة، وشواظ الحروب التي أنهكت روح الإنسان، ونهشت عمودَه الفقري بالفقد، وتصلبت ألواح قدره في اللحظة التي دوّت فيها صفّارة الحرب على مسامع الأطفال، وكأنَّ للوجع موعدًا أزليًّا ينبش أجسادهم النحيلة، فيقضُّ سكينتَهم، ويتركونهم إلى الأبد حملةَ سلاح الفكر، متعصبين للغة الوطن، لا يملّون سقي تُربة شبابهم بنيران النسيان؛ فلن تتنصّل الذاكرة من تاريخها، وإن تلطخت أثواب النسيان، وإن قست أفئدتهم، وتلمّظوا بجذوة الظلم، وجاروا على خصومهم.

فسيبقى القلم شاهدًا لا يساوم

وضميرًا لا يٌشيخ ....

حتى يسترد الإنسان إنسانيتهٌ

 


مشاهدات 35
الكاتب ناز عدنان البوتاني
أضيف 2026/08/01 - 1:12 AM
آخر تحديث 2026/08/01 - 2:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 130 الكلي 15999835
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير