الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جولة اليوم الأخير في باكو.. مدينة تجمع بين الوفاء لتاريخها  والإنفتاح على المستقبل

بواسطة azzaman

جولة اليوم الأخير في باكو.. مدينة تجمع بين الوفاء لتاريخها  والإنفتاح على المستقبل

باكو - حمدي العطار

لكل مدينة لحظة وداع تكشف وجهها الحقيقي. ففي الأيام الأولى ينجذب المسافر إلى جمال الأبنية والأسواق والمعالم السياحية، أما في اليوم الأخير فإنه يبدأ بقراءة المدينة بعين مختلفة، باحثا عن الروح الكامنة خلف الحجر، وعن الحكايات التي صنعت المكان. وهكذا كان وداعي لباكو، مدينة تجمع بين الوفاء لتاريخها، والانفتاح على المستقبل، في مشهد تتجاور فيه الذاكرة مع الحداثة.

قنوات مائية

استهللنا جولتنا بزيارة فينيسيا المصغرة في باكو، وهي واحدة من أكثر المرافق السياحية متعة في العاصمة الأذربيجانية. ركبنا الزوارق الصغيرة التي تنساب بهدوء بين القنوات المائية، فشعرت للحظات وكأنني أنتقل إلى مدينة فينيسيا الإيطالية، لكن بروح أذربيجانية خاصة. كانت الابتسامات تعلو وجوه الزائرين، والمياه الهادئة تعكس جمال المكان، لتمنح الرحلة شيئا من الصفاء والبهجة.

ومن هناك توجهنا إلى متحف السجاد الأذربيجاني، ذلك المبنى الفريد الذي صُمم على هيئة سجادة ملفوفة، في إشارة ذكية إلى أحد أهم رموز الهوية الوطنية. ولم يكن المتحف قاعات لعرض السجاد فحسب، بل نافذة على تاريخ طويل من الإبداع الشعبي، حيث ما تزال أنامل الحرفيات تنسج الخيوط أمام الزائر، فيتحول النسيج إلى حكاية، وتتحول الألوان إلى ذاكرة وطن.

وفي الطريق إلى أبراج اللهب مررنا بنفق للمشاة، فاستوقفني شاب يعزف الموسيقى بموهبة لافتة. اقتربت منه، والتقطت معه صورة تذكارية، وقدمت له تقديرًا بسيطًا. لطالما أشعرني الفن الحقيقي بالاحترام، فهو أرقى من التسول وأجمل من انتظار العطاء. ولعل ما لفت انتباهي خلال أيام إقامتي في باكو أنني لم أشاهد متسولًا واحدًا في شوارع المدينة، وهو مشهد يستحق التأمل.

وكان بإمكاننا الصعود إلى أعلى المدينة بالقطار الجبلي، لكننا فضلنا أن نصعد الدرج الطويل، الذي يقترب من ألف درجة، لنعيش التجربة كاملة. كان الصعود متعبا، لكنه منحنا فرصة للتأمل في المدينة وهي تتكشف تدريجيا تحت أقدامنا، حتى بلغنا أعلى نقطة تطل على بحر قزوين وأحياء باكو القديمة والحديثة.

شعلة ابدية

هناك يمتد ممر الشهداء، أحد أكثر الأماكن تأثيرا في العاصمة. تصطف القبور والنصب التذكارية والشعلة الأبدية في مشهد يختصر تاريخًا طويلا من التضحيات التي قدمها الشعب الأذربيجاني دفاعًا عن وطنه. يشعر الزائر أن المكان لا يحتفي بالموت، بل يخلد قيمة التضحية، ويؤكد أن الأوطان لا تبنى إلا بإرادة أبنائها.

وعلى مقربة من هذا المكان المهيب ترتفع أبراج اللهب الثلاثة، وكأنها رسالة أخرى تقول إن الأمم التي تحفظ ذاكرة شهدائها قادرة أيضا على بناء مستقبلها. تضم الأبراج فندقا عالميا، وشققا سكنية، ومقارا للشركات، لكنها قبل كل شيء أصبحت رمزا لباكو الحديثة. ومع حلول الليل تتحول واجهاتها الزجاجية إلى لوحات ضوئية عملاقة، فتبدو وكأنها ألسنة نار تتراقص في سماء المدينة، في مشهد يجمع بين الفن والتكنولوجيا.

في باكو لا يتصارع الماضي مع الحاضر، بل يتحاوران. فإلى جانب المقابر التي تروي قصص الفداء، ترتفع ناطحات السحاب التي تروي قصة التنمية. وبين متحف يحفظ تراث السجاد، ومجمع معماري يرمز إلى المستقبل، تتجسد فلسفة المدينة في احترام التاريخ دون أن تكون أسيرة له.

غادرت باكو وأنا أحمل أكثر من صور تذكارية. حملت درسا في كيفية صناعة التوازن بين الوفاء للماضي، والاستثمار في المستقبل. فهذه المدينة لا تكتفي بأن تكون مقصدا سياحيا، بل تقدم نموذجا لوطن يحول ذاكرته إلى قوة، وتراثه إلى هوية، وحداثته إلى رسالة حضارية. ولهذا لم يكن اليوم الأخير نهاية رحلة، بل بداية رغبة في العودة مرة أخرى إلى مدينة كل زاوية فيها تحكي حكاية.


مشاهدات 94
أضيف 2026/07/25 - 2:34 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 6:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 391 الشهر 26971 الكلي 15932098
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير