الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القاضي الجديدُ.... والمحتالونَ الأربعةُ

بواسطة azzaman

القاضي الجديدُ.... والمحتالونَ الأربعةُ

 محمد خضيرِ الأنباريِ

 

منذُ زمننا حدثنا السابقون، أنَ الذئبَ إذا لبسَ جلد الحمل، فلا يعني أنَ الحملَ أصبحَ ذئبا، وأنَ تبديلَ الثيابِ أسهلُ بكثيرٍ منْ تبديلِ التاريخ، وأنَ الذاكرةَ قدْ تمرضُ لكنها لا تموت، ويحكى أنَ مدينةً أنهكها الكلام، حتى صارتْ تصدقُ كلّ منْ يرتدي بدلةً أنيقة، ويبتسمُ أمامَ الكاميرات.

في صباحٍ مشمسٍ، وصلَ القاضي الجديدُ إلى مكتبه في المحكمة التي سوف يعمل فيها؛ ليبدأَ مهامَّهُ في مدينةٍ لا يعرفُ من وجوهِها شيئًا، سوى ما قرأهُ في دليلِ الموظفين. كان يحملُ حقيبتَهُ في يدٍ، والقانونَ في اليدِ الأخرى، يمضي بخطواتٍ يملؤها الإيمانُ، بأنَّ العدالةَ لا تحتاجُ إلى معرفةِ الأشخاص، بل إلى معرفةِ الحقيقة.

   وقبلَ أنْ يستقرَّ القاضي على كرسيِّه، فُتحَ البابُ، ودخلَ أربعةُ رجالٍ، كان العطرُ يسبقُ خطواتِهم، فيما كانت الحقيقةُ تتوارى خلفَهم، كأنَّها تخشى أنْ تُعرَف، فقد ارتدوا أفخمَ الثياب، وتقدّموا بثقةٍ لا تشبهُ ثقةَ الأبرياءِ، بل تشبهُ ثقةَ، أولئك الذين اعتادوا أنْ تُفتحَ لهم الأبوابُ قبلَ أنْ يطرقوها.

       قدموا أنفسهم للقاضي الجديد، إنهم من وجهاءِ المدينة، وإنهم أصحابُ مكانةٍ كبيرة ونفوذ فيها، كانوا في الخمسين من أعمارهم، غيرَ أنَّ وجوهَهم، بدتْ أصغرَ من أعمارهم، فقد خضعوا، على مدى سنواتٍ طويلة، لعملياتِ تغييرٍ، لم تقتصرْ على ملامحِ الوجه، بل امتدّت إلى تاريخِهم كلِّه.

     لقد بدّلوا أسماءَهم القديمة، غيّروا ملامحَهم، وارتدوا وجوهًا جديدةً لم يعرفها أحد، فقد مزّقوا وثائقَ إدانتهم، وأحرقوا سجلاتِ ماضيهم، بل حتى صورَهم القديمةَ، لم يتركوها شاهدةً عليهم؛ مزّقوها إربًا إربًا، كأنَّ تمزيقَ الصورةِ قادرٌ على تمزيقِ الحقيقة.

      كانوا قد أبدلوا كلَّ الوجوهِ المتلونة والمتقلبة، التي ارتدوها في الزمنِ الغابر، وخرجوا إلى المدينةِ بوجوهٍ جديدة، وملابسَ جديدة، وأسماءٍ جديدة؛ وحدها أفعالُهم القديمةُ بقيتْ حيةً في مكانٍ ما، تنتظرُ مَن يجرؤُ على البحثِ عنها، أما القاضي الجديد، فلم يكن يعرفُ عنهم شيئًا، وكانوا يعرفون ذلك جيدًا.

  لقد تبوّؤوا مناصبَ عليا في العصرِ الجديد، لا بالكفاءةِ والخبرةِ والشهادةِ، بل بالتملّقِ والاحتيالِ والتزويرِ والفسادِ، وبالمالِ الحرامِ والرشاوى التي دُفعت إلى أصحابِ القرارِ الجددِ من الفاسدين.

  قالَ الأول: جئنا نباركُ لكمْ المنصب. وقالَ الثاني: ونضعُ أنفسنا بخدمتكم. وقالَ الثالث: هذهِ هديةٌ بسيطةٌ …مجرد قلمِ حبرٍ فاخر، لعلَ أحكامكمْ تكتبُ به. قالَ الرابع، وهوَ يناولهُ مسبحةً ومصحفا كريما ودفترَ مذكراتٍ فاخرا: " حتى لا تنسونا منْ الدعاءِ … ومنْ الذكريات.

   ابتسمَ القاضي بأدب، وشكرهم، فهوَ لا يعرفُ أنَ هؤلاءِ الأربعةَ، كانوا قبلَ سنواتِ ضيوفٍ دائمينَ في ملفاتٍ أكثرَ سمكا منْ كتبِ القانون، وأنَ أسماءهمْ كانتْ تكتبُ بالحبرِ الأحمر، لا بالحبرِ الذهبي.

  خرجَ الأربعةَ منْ المحكمة، فضحكَ أحدهمْ حتى كادَ يسقطُ منْ شدةِ الثقة،  فنادى القاضي على عاملهِ، بأنْ يضعَ هداياهمْ أمانة في مكتبهِ لربما- يوما ما- يعيدها لهم.

  قالَ أولهم: أرأيتم؟ لقدْ نجحنا. قالَ الثاني: قلت لكمْ ؛ إنَ ربطةَ العنقِ تمحو نصفَ الجرائم. أضافَ الثالث: والبدلةُ الأوروبيةُ تمحو النصفَ الآخر، أما الرابع، فقال: وهوَ يعدلُ ياقةَ قميصه: ولوْ بقيَ شيء، فإنَ المنصبَ الجديدَ كفيلٌ بغسله، ثمَ انفجروا جميعا بالضحكِ … ضحكا يشبهُ ضحكَ اللصوصِ حينَ يشاركونَ في مؤتمرٍ للنزاهة.

    في تلكَ الأيام، كانتْ السياسةُ ، قدْ اخترعتْ آلة عجيبة لإعادةِ التدوير، تضعُ فيها متهما … فيخرجُ قائدا، وتدخلاً فاسدا … فيخرجُ مصلحا، وتلقينٌ فيها ملفا جنائيا … فيخرجُ منهُ برنامجا انتخابيا، حتى أصبحَ المواطنُ يحتاجُ إلى دليل؛ ليفرقَ بينَ قاعةِ المحكمةِ وقاعةِ الاحتفالات.

    أما شهودُ الزور، فقدْ حصلوا على ترقيات، وصاروا خبراء في الوطنية، يشرحونَ للناسِ كيفَ تتحولُ السرقةُ إلى إنجاز، وكيفَ يصبحُ الفسادُ وجهةَ نظر، وكيفَ تتحولُ الرشوةُ إلى هديةٍ بروتوكولية، لكنَ المدينةَ لمْ تكنْ نائمةً كما ظنوا.

  كانتْ عامة الناس، تتظاهرُ بالنسيانِ ، فالأمهاتُ ما زلنَ يذكرن، والشيوخ ما زالوا يحكون، والوثائق كانتْ تنتظرُ منْ ينفضُ عنها الغبار فصورهم، قد ملأت الصحافة في حينها بنشاطاتهم وتملقهم للجلاد القديم، أما الضميرُ الحيُ… فلمْ يوقعْ يوما على قرارِ إتلاف، وبدأَ أبناء المدينةِ يجمعونَ الأدلة، ورقةٍ بعدَ أخرى، حتى صارَ الملفُ أثقلَ منْ كلِ خطاباتِ التبرير.

   ها وقدْ وصلتْ الوثائقُ كلها إلى القاضي، قرأها مرة، ثمَ أعادَ قراءتها، ثمَ نظرا إلى صورِ الرجالِ الأربعة، وتذكرُ الوجوه التي جاءتْ تباركهُ في أولِ يومِ مباشرتهِ في المدينة. ابتسمَ هذهِ المرةَ أيضا … لكنها لمْ تكنْ ابتسامةْ الترحيب، بلْ ابتسامةْ العدالةِ، حينَ تعثرُ على الحقيقة، وأطلقَ العبارةَ المعروفةَ عندَ قومِهِ: ( يا مَنّاعيلَ الوالدينِ على هَلْــــ العَمَلَةِ السُّودَةِ...(!.

      أصدرَ قراره بإحالتهمْ إلى المحكمةِ المختصة، وفي صباحِ المحاكمة، حدثتْ المعجزةُ الوحيدةُ التي لمْ تكنْ في حساباتهم، فقد اختفتْ البدلاتُ الإيطاليةُ التي كانوا يرتدونها، ومعها ربطاتُ العنقِ الفرنسية، ومعها القمصانُ ذات الماركاتِ العالمية.

     حضرَ الأربعةَ جميعا بزيٍ واحدٍ … بيجامات صفراء لا تعرفُ الماركات، ولا تعترفُ بالألقاب، وقفوا داخلَ قفصِ الاتهام، ينظرُ بعضهمْ إلى بعض، وكأنهمْ يتساءلون:

 هلْ ترى تقبلُ المسبحةُ اليومَ استئنافا؟

" قالَ الآخرُ هامسا: " جربوا المصحف … "

 فرد الثالث: " بلْ أعطوهُ القلم … ربما يكتبُ البراءة.

  " أما الرابع، فأغلقَ دفتر المذكرات، وقالَ بحسرة: " يبدو أنَ الصفحةَ الأخيرةَ كتبها التاريخُ قبلنا. " 

   وقفُ القاضي، وتلا الحكم: " بعدَ الاطلاعِ على الأدلة، والاستماعِ إلى الشهود، وتطبيقِ النصوصِ القانونية، تقررُ إدانةْ المتهمينَ جميعا.

     عندها فقط، أدركَ الأربعة، أنَ القانونَ لا يقرأُ الماركات، ولا يقيسُ العدالةَ بطولِ ربطةِ العنق، ولا يفرقُ بينَ مسؤولٍ سابقٍ ومتهمٍ حاضر.

    أعادَ موظفُ المحكمةِ إليهمْ الهدايا التي جاءوا بها يومَ التهنئة؛ المسبحة، المصحف الكريم، قلم الحبر، ودفتر المذكرات، ولكنْ داخلَ كيسٍ واحدٍ كأنهُ يقولُ لهم: " خذوا معكمْ كلَ أدواتِ التمثيلِ … فالعرضُ انتهى.

      عندها أدركَ الجميع، أنَّ ما جرى لم يكن مجرّدَ حكايةٍ عابرة، ولا مشهدًا من مشاهدِ زمنٍ مضى، بل صورةٌ تتكرّرُ بأسماءٍ ووجوهٍ مختلفة؛ فكم من متملّقٍ ارتقى، وكم من فاسدٍ تسيّد، وكم من صاحبِ حقٍّ أُقصيَ لأنّه لم يُحسنِ التملّقَ أو شراءَ الذمم، غيرَ أنّ الحقيقةَ، وإن تأخّرَ ظهورُها، لا تموت، والظلمَ، وإن طالَ أمدُه، لا يُفلتُ من الحساب.

    هنا أدركَ الآيةَ الكريمةَ التي تقول: ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، البقرة: الآية 74.

     فليسَ كلُّ من جلسَ على كرسيٍّ أهلًا له، ولا كلُّ من ارتدى ثوبَ الوقارِ نزيهًا، ولا كلُّ من امتلكَ المالَ امتلكَ الشرف. قد ينجحُ الباطلُ في عبورِ أبوابِ الدنيا، لكنّه لن يعبرَ أبوابَ العدالةِ الإلهية؛ فهناكَ لا تنفعُ الواسطة، ولا التملّق، ولا المالُ الحرام، ولا تزويرُ الحقائق. هناكَ يُوضَعُ كلُّ إنسانٍ أمامَ ما قدّم، ويُسألُ عمّا فعل.

ونذكر بقول سبحانه وتعالى( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النور: 24.

  أغلقَ المسرح … وانصرفَ الجمهورُ … وبقيَ التاريخُ وحدهُ يصفقُ للعدالة، لأنها كانتْ الممثل الوحيد الذي لمْ يحفظْ دوره عنْ ظهرِ قلب، بلْ قرأهُ منْ أوراقٍ الحقيقة.

 


مشاهدات 43
الكاتب  محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/07/29 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 32664 الكلي 15997790
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير