الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يقف وراء إطلاق رصاصة الرحمة على الصحافة؟

بواسطة azzaman

إستكمالا لمنهج التجهيل الذي إعتمده نظام الحزب الواحد

من يقف وراء إطلاق رصاصة الرحمة على الصحافة؟

هند النعيمي

 

تناقلت مؤخرا عدد من الصحف العراقية والأوساط الإعلامية - خبرا لم تؤكده بعد الجهات الرسمية - يقضي بحجب الإعلانات عن الصحف الورقية، وحصرها بالمنصات الألكترونية.

الغريب في قرار مثل هذا، أنه غفل تماما عن «مخاطر» جسيمة أبعد بكثير مما تناولته التقارير والمقالات التي إعترضت وفنّدت وتحدثت عن «قطع أرزاق» مئات العوائل التي يعيلها الصحفيون وآلاف من العاملين التقنيين داخل دور الصحف، وفي قطاع المطابع، واضعين في الإعتبار أن الصحافة غير الرسمية تعتمد ميزانياتها حصرا على المردود المالي المتحقق من الإعلانات، وهذا واقع يعرفه الجميع، ليس في العراق وحسب، بل وفي معظم دول العالم.

لم تعد الصحافة مساحة لمتابعة الأخبار والأحداث اليومية، منذ إنتشار الإذاعات والتلفزة، ناهيكم عن التطور اللاحق الذي جعل الفضائيات التي غزت العالم، ومن ثم تلتها مواقع شبكة الأنترنت، تتكفل بنقل هذه الأخبار وتحليلها بالصوت والصورة، وحولت العالم الى قرية صغيرة، بل كانت وستظل الصحافة منبرا ثقافيا يعتمد على «القراءة» متمنيا عليكم وضع أكثر من خط أحمر تحت مفردة «القراءة».

فالقراءة سادتي المسؤولين هي المقوّم والحافظ والراعي للغات الأمم، وقيل في ذلك الكثير من الأمثال عبر كل العصور: «الشعوب التي لا تقرأ، لا تنهض» و»قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت» و»الشعوب التي لا تحترم ولا تصون لغتها، تحكم على هويتها بالفناء»، فاللغة هي أول مقومات الهوية الوطنية، فإن أهملتها أمة من الأمم فسد فيها كل شيء.

شأن ثقافي

لذلك، كانت الصحف وستظل منبرا لآلاف الأكاديميين والباحثين والكتاب والأدباء والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي لأمتهم، والسؤال المنطقي هنا: هل بإمكان التفلزة نشر دراسات ومقالات هؤلاء الكتاب والباحثين؟

طالعت منذ أسابيع سلسلة حلقات نشرها أحد الباحثين في صحيفة «الحقيقة» حملت عنوان «من المسؤول عن الجهل المعاصر» إستعرضت تاريخ الجاهلية التي عاشها العراقيون طوال العصور المظلمة التي سبقت تأسيس الدولة العراقية، وكيف قادت عصبة من المثقفين العراقيين - وكانت الصحف منابرهم - نضالا وكفاحا منذ عشرينيات القرن الماضي لمقارعة التخلف والجهل المجتمعي، ونجحت على مدى أكثر من ستين عام في خلق نهضة حضارية إنتشلت العراق من مستنقع الجهالة والتخلف، الى منارة التحضّر والتنور، وإستطاعوا أن يخلقوا أجيالا من المثقفين المتنورين، بل والأهم من ذلك أجيال متخلقين يدركون مسؤولياتهم الأخلاقية اتجاه شعبهم وبلدهم، ووضعته في مصاف الشعوب المتمدنة، ولم يفت الباحث الإشارة الى أن هذا الكفاح ضد الجهل توقف منذ مطلع الثمانينيات نتيجة السياسة التي إعتمدها النظام السابق في سحق ومحق الوعي الإنساني ونشر الطائفية والعصبيات القبلية والهويات الفرعية والمناطقية، وتحويل أجيالا متعاقبة من العراقيين الى جهلة وأميي لغة وثقافة.ونسأل الجهات الرسمية اليوم، هل تريد أن تكون إمتدادا لنهج النظام السابق في تجهيل شعبها؟ وهل وضعت الحكومة في الإعتبار المسؤولة الأخلاقية التي تتحملها الدولة قبل غيرها في مكافحة الجهل المستشري في مجتمعاتنا؟ وهل إلتفتت الى الخطورة التي يشكلها هذا الجهل على المجتمع والدولة بشكل عام.والسؤال الأهم: هل تدرك الدولة، أن الإنحرافات المجتمعية وإنتشار الجريمة وتعاطي المخدرات وكل أنواع الفساد المستشري، ماليا وإداريا وأخلاقيا وتربويا، سببه الأساس هو الجهل؟

والجواب على ذلك سهلا جدا، راقبوا فقط دول العالم التقليدية المتحضرة إجتماعيا وثقافيا والتي لا تزال تقرأ وتحترم الكتاب والصحف الورقية، بل راقبوا الدول التي نهضت من بين الركام وقفزت الى المراتب الأولى المتطورة في العالم، تلك التي لم تعتمد إطلاقا في نهضتها الإصلاحية على السياسة والمال، بل على الإصلاح المجتمعي، والتي لم تتخذ من العقائد والأديان وسيلة للإصلاح، أبدا، بل إعتمدت على الإصلاح المجتمعي القائم على مكافحة الجهل والتخلف، وأشهر الأمثلة على ذلك دولة سنغافورة، الدولة التي عاشت لقرون غير قليلة فوق مستنقعات غارقة بكل الأوبئة، إضافة الى الفقر والجوع والفساد وتعدد الهويات العرقية، فكانت الثقافة  ونشر المعارف هي السلاح الأول لمعالجة تخلفها وبناء نهضتها.

دعم مالي

وفي آخر معلومة وصلتنا عن هذا البلد، هي أن الدولة ألزمت نفسها بتقديم الدعم المالي السنوي لصحفها من ميزانيتها العامة، شعورا منها بأهميتها في المحافظة على الثقافة المجتمعية.والعراق سادتي يعيش منذ نصف قرن، صراعا ونزاعا بين الجهل والتخلف وأمية الثقافة وهزالة اللغة من جهة وبين الوعي المعرفي والتحضر والتحرر الذهني من جهة أخرى، لذلك نحن بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لدعم وتنمية المنابر التي تحسم المعركة لصالح الإصلاح، وتبقى الصحف هي المنبر السامي لحسمها، فلا تكونوا في صف من يسعى لبقاء الجهل مستشريا والذي يقف وراء كل ما يعانيه وطننا من مشكلات وخيبات وفشل، بل تحملوا معنا المسؤولية الأخلاقية تجاه شعبنا.


مشاهدات 46
أضيف 2026/07/29 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 32663 الكلي 15997789
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير