الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما بعد العاصفة..  بولس الثالث نونا بطريرك الكلدان في العراق والعالم

بواسطة azzaman

ما بعد العاصفة..  بولس الثالث نونا بطريرك الكلدان في العراق والعالم

لويس إقليمس

 

مَن يعتقد أن شؤون الكنيسة الكلدانية قد حُلّت إشكالياتُها واستقرّت عاصفتُها بعد انتخاب بطريركها الجديد بولس الثالث نونا الكليّ الوقار، فهو واهمٌ بالثلاثة ولا يجيد قراءة المشهد ما قبل وما بعد تنحي سلفه نيافة الكاردينال لويس ساكو المبجَّل العارف بخفايا كنيسته وطلاسمها وتناقضات رجالها من مرتدي الحلل الحمراء والسوداء أو من «المتعلمنين» المشغوفين بوظيفة كهنوتهم على طريقتهم الخاصة. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل ولاءات الأتباع  من أبناء الطائفة ومن سواهم من أصحاب النوايا الخاصة السياسية منها والقومية والطائفية ومتعاطي التجارة فيها ممّن يخلطون الخاص بالعام وفقًا لمزاجات وتوافقات ومراهنات على حصد ما يمكن لصالح هذا الطرف السياسي أو ذاك، هذه الكتلة أو تلك، هذا التوجه الفكري المؤسساتي أو غيره ممّن تتراقص مصالحهُم بحسب التيار الجارف أو المشهد العاكس أو الشخص المتنفذ. فهذا وقت الرقص على أنغام موسيقى بعض ساسة البلد وأدعياء الهويات والقوميات الساعين لكسب الجانب بأشكال الودّ الظاهر والتعاطف الساذج بالميل لصالح أرباب أجندات معينة فارضة لأفكارها ووجودها وداعميها باستغلال ما تيسّر لها ولهم من مفاهيم النسابة والانتماء المناطقي والعشائري والعائلي وما سواها.

رأس الكنيسة

للحقيقة أقول أنه بالرغم من إحساس الكثير من المراقبين والمتابعين للأجواء العامة بعد إفصاح السينودس عن خياره، وتثبيت شخص البطريرك الجديد على رأس الكنيسة الكلدانية من جانب السلطة البابوية، وما رافق ذلك من صافرات إعلامية صفراء وتحضيرات داخلية قلبت البيت البطريركي في الديكور والتجهيز حتى في أبسط دقائق الأمور وفي التعيين والتكليف، فقد لوحظ بما لا يقبل الشك تواجدٌ ملحوظ لأطرافٍ أو أفرادٍ كنسيين وسياسيين كانت لهم قطيعة صادمة مع الرئاسة السابقة. وهذا من بعض الأدلة على تغلغل تمهيدي إلى داخل البيت الكلداني من أطرافٍ سعت وتسعى لفرض ذاتها على المشهد من منطلق الاحتفاء بانقضاء مرحلة الرمز السابق والتشفي بمغادرته والشماتة بشخصه من خلال هذه المظاهر. ومَن تسرّعَ إعلاميًا فذهبَ ترحيبًا وسعادةً غامرة ببعض مظاهر ترافقت مع تولّي البطريرك الجديد لمهامه الكنسية ومنها مشهد إزالة المذبح اللاتيني إيمانًا بالتاريخ والتراث والتقاليد المشتركة والعودة إلى التقليد القديم في الكنائس الشرقية، عليه أن يدرك أن هذه الجزئيّة لا تدخل كثيرًا ضمن باب الحرص على الماضي وصيانته أمانةً غير مجدية في كلّ زمان ومكان، مهما كان هذا الأخير مقصودًا في بواطن ومظاهر أصحاب الالتزام الأصمّ الأبكم الأعمى بالتقليد «الأصيل». فالريازة وبهاء الطقس وجمال الألحان والاستخدام المبالَغ فيه للغة الأمّ الآرامية- السريانية، شرقيّةً كانت أم غربية، في جميع الأوقات والأزمان والأمكنة، ليست دومًا من المقدّسات والفرضيات المفروضة على شعبٍ أو شعوبٍ لم تعد تفهم معانيها بسبب المتغيرات العالمية والمستجدّات الجيوسياسية والاقتصادية وغيرها من التحديات الاجتماعية والشعبوية التي غيّرت وجه العالم الراهن. فالتأوين والحداثة والاقتراب من قلوب وعقول الناس وإثلاج صدور المؤمنين والمصلّين لا يكون بالرموز والكلمات الغامضة بل بكلّ كلمة صادرة من القلب كي تصل إلى القلب. فما نَفَعَ وكان ممكنًا وصالحًا ومقبولاً ومفهومًا بالأمس لم يعد كذلك في كلّ مكان وأيّ محيط، حتى لو كان محيطَه الأصيل ووسط جذوره المتهالكة بسبب غدر الزمن وأرباب المصالح الضيقة الخاصة والساسة المنافقين، وفي مقدّمتهم حكومات الغرب الطائشة المنافقة التي لا يهمّها سوى مصالحها، فيما مصائر الأقليات ومنها المسيحيين بالذات، الذين تتباكى عليهم في أروقة الأمم المتحدة منتهية الصلاحية وفي القصور الفارهة والاستوديوهات والقنوات وفي كواليس المؤتمرات والاجتماعات الحكومية الرسمية وغير الرسمية وتطالب ظاهريًا بإنصافهم على مذلّتهم والاستهانة بهم وبخس حقوقهم، كلُّها مظاهر منافقة لم تؤكل ثمارها.  وفي كلّ الأحوال، يكفي أنَّ صاحب الشأن الجديد منحدرٌ من بلدة «ألقوش» الطيبة الصامدة على جبل ديرها التاريخي العريق «الربان هرمزد»، وما أنجبته من رموز دينية وشخصيات كنسية وسياسية واجتماعية بارزة. وهي باقية فخرًا وشامخةٌ ذخرًا مثل نظيراتها الباسقات الشامخات في إرثها الكنسي الأصيل ولغتها الآرامية- السريانية (الشرقية) مثل تلكيف وقرقوش وزاخو ودهوك ومانكيش وعقرة وكرمليس وبرطلّي وبعشيقة وأربائيلّو وعنكاوا وشقلاوة وكركوك وما سواها من بلدات في شمال الوطن وفي كردستان. فهذه جميعًا تبقى من مفاخر كنيسة العراق والمنطقة والعالم حين العودة إلى بدايات دخول المسيحية التي ترقى إلى القرون الأولى انطلاقًا من كنيسة ساليق- قطيسفون التاريخية في كوخي الباقية بعضُ معالمها وآثارها لغاية الساعة في منطقة المدائن جنوب بغداد.

التحدّيات والفرضيات

لا شكّ في حق كلّ العراقيين وخاصة المسيحيين والكلدان منهم بشكلٍ أدقّ بالاحتفال في «عرس» تنصيب غبطة البطريرك الكلداني الجديد الذي استحقّ التقدير والتكريم والترحيب بحضور ومشاركة معظم بطاركة الشرق وعدد من الأساقفة وحضور علماني وكنسي واسع على السواء. وما سرّني كثيرًا في متابعتي لتفاصيل الاحتفال عبر شاشة «نورسات» مع جموع غفيرة من المشاركين الفعليين والمراقبين والمتابعين لهذا العرس الكنسي والعراقي المهيب خلوُّه من أيّ حضور رسميّ أو حكوميّ من شأنه كان أن يحوّل المناسبة إلى خطابات فارغة خارج إطارها، ما منح البطريرك الجديد مزيدًا من الحرية والحيادية والالتزام الأدبي المعتدل في خطاب التنصيب بعيدًا عن أية تاثيرات جانبية. وهذا بحدّ ذات، يُعدّ مشهدًا جديدًا بعض الشيء ببدء مرحلة رصينة للمؤسسة الدينية خالية من أية مجاملات سياسية أو انحيازٍ لجماعة دون أخرى. وحبذا لو تم الالتزام به تقليدًا جديدًا في أيّة مناسبة في عموم كنائس العراق ومواسمها السنوية بهدف وضع حدٍّ لتحويلها إلى استعراضات تلفازية ومفاخر زائفة لمنصات خطابية ينتظرها بفارغ الصبر بعضُ الساسة المنافقين للتباهي بنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي التي كادت تفسدُ الصلوات والابتهالات والتضرعات بسبب تشويهها للقلوب والصدور والعقول قبل العيون والألسن والآذان. فالصلاة لا تستقيم بالتباهي بالاستعراضات والتشويش والتشويه والأضواء الساحرة التي تقطع على المؤمن الشهادة الحية في التواصل مع الخالق ورب الكون ومَن يستحق التكريم من قديسيه وولاته ورسله.

مع إدراك التحديات الراهنة والسابقة وهي كثيرة جدًا، يبقى صراع ما يُسمّى بالهويات مثار شكوك كثيرة بإمكانية الابتعاد عن هذه الإشكالية القائمة مع وجود أجندات ولوبيات لأطراف متباينة الولاءات والمصالح والأهداف والرؤى التي تتشعب وتتفرّع في مفاهيمها الطائفية والقومية والعشائرية والمذهبية وحتى العائلية.

أمّا التخبّط القائم في صراع العديد من القوى مشبوهة الولاءات والفوضى المختلقة في صفوف أتباع الكنيسة الكلدانية شأنُها شأن العديد من كنائس البلاد، فهي لن تقود سوى إلى مزيدٍ من التشرذم وانفراط عقد أي رجاءٍ بتحقيق وحدة الكنائس كما أرادها الرب يسوع «ليكونوا واحدًا»! فما يجمع الكنيسة الكلدانية المشرقية اليوم مع نظيرتيها المشرقية الآشورية والشرقية القديمة مثلاً، كبيرٌ وكثيرٌ ومنتَظَرٌ تحقيق أيّ شكلٍ من اشكال الوحدة بينها. فهي تشترك بذات الطقس وذات اللغة وذات التراث الرسولي المشرقي وذات الريازة، ماعدا التشبث بالكراسي التي تبقى هي العقبة الكأداء مع بروز أصوات نشاز تصطاد دومًا بالماء العكر في تحريض وتأطير وتسويق مفاهيم وأهداف لا علاقة لها بالإرث الكنسي المشترك.

فصراع الهويات يبقى ضمن الهوس الجنونيّ لأطراف شابها التطرّف بفرض اشكالٍ من التسميات المشبوهة التي لا علاقة لها بالماضي الحقيقي ولا بتاريخ أتباع هذه الكنيسة أو تلك في العراق والمنطقة. فالتسمية الآشورية المستحدثة لا علاقة لها مثلاً بشعوب الدولة الآشورية. ومثلها التسمية الكلدانية لا علاقة لها بالشعوب الكلدية في بابل. فالتسميات مستحدثة على أيدي الاستعمار الغادر والمنافق. وهذا ما يشيرُ إليه باحثون وعلماء آثار ومتابعون لحقيقة الحضارات والشعوب وتاريخها، ليس بخسًا في تقليدها وتراثها بل تثبيتًا لحقائق تاريخية لا داعي لنقضها وتكذيبها من أطرافٍ تسعى إلى تزوير المعاني وتحريف الرموز واستجداء التعاطف بهدف الضحك على بسطاء الأتباع. ولا بأس بأتباع سائر الكنائس بالتفاخر والاعتزاز بتقاليدهم وتراثهم ولغتهم وطقوسهم وريازتهم من دون فرض أيّ منها على الغير الرافض لها من حيث المبدأ. فاليوم من حق أيّ طرفٍ أن يتسمّى ما يشاء ويقلّدَ ما ارتضى  به لأنه زمن ضياع التربية والعلوم والتاريخ والجغرافية تحت أعلامٍ مزركشة يجري اختيارها بحسب الأهواء والأجواء والأضواء! فالأولوية في الأهداف تكون دومًا بالحفاظ على النزر اليسير المتبقي من الإرث العميق الذي انتقل ثقلُه الأعظم إلى دول الشتات حيث تأسست إبرشيات ورعايا جديدة تضاهي ما كانت أرض العراق حبلى بها حين اضطرّت لطرحها خارجًا للأسباب والظروف القاهرة المعروفة. فهل يحرص الرئيس الجديد للكنيسة الكلدانية في سعيه لتثبيت ما تبقى من الأتباع في أرض الآباء والأجداد ويكسب الرهان بإعادة ما يستطيعه إلى هذه الأرض التي تعطلت عقاربُ ساعتها بفعل فاعل من خلال تاثيره وقدرته على حث أصحاب الشأن من ساسة العالم والعراق والمؤسسات والمنظمات الدولية الفاعلة في إرجاع حقوق الشعب المسيحي الذي لاقى الأمرّين مع سائر الأقليات الدينية والعرقية منذ عهود؟ تلكم هي خير الأماني وأفضل أشكال الرجاء!

 

لحظات رجاء إيمانية

في رسالة البطريرك «نونا» يوم التنصيب في 29 أيار 2026، والتي خاطب بها الشعب المسيحي والعراقي والعالم، اختصر غبطتُه أولويات حبريته بتأكيده على وحدة كنيسته الكلدانية التي عصفت بها رياح غير سارّة من التمزّق والتشرذم بسبب تنامي الولاءات وبروز إشارات التمرّد في مواقع ورعايا ومشاكل جانبية إدارية ومالية غير سارّة  سواءً في الداخل أو في بلدان الانتشار. وفيما شدّد غبطتُه على وقف نزيف الهجرة من أجل استمرار الوجود المسيحي في أرض الآباء والأجداد، لم يتجاهلٍ ما يعتمر في نفسه ووجدانه ما يخصّ موضوع الشراكة في الوطن الأم من خلال تعزيز فرص الحوار والتفاهم مع الجميع تحت راية الوطن الواحد. كما أشار في مجمل خطابه إلى أساسيات العمل المشترك مع الكنائس الشقيقة مشرقيًا وما سواها من كنائس رسولية في المنطقة والعالم وتأكيده على أنّ قوّة كنيسته الكلدانية هي بقوّة الكنائس الشقيقة بفضل التقليد والإرث والتاريخ المشترك. فوصفُ المشهد الكنسي بقِطَعٍ متكاملة وليس جُزرًا متباعدة والتأكيد على سمة الأخوّة التي تربط  الكنائس مع بعضها البعض خير إقرارٍ بحالة التشرذم القائمة التي تعهدَ بالسعي شخصيًا لاحتواء واقعها المرير في التعامل العملي بروح الإيمان الواحد والرجاء الواحد والهدف الواحد بلوغًا إلى الوحدة المرتجاة من أجل بقاء المسيحية في العراق والمنطقة حديقةً وارفة الظلال بأزهار وورودٍ وثمارٍ طيبة ورائحة زكية على مدى الأزمان. وهنا نستشف الشفافية في السعي من أجل  الأفضل والأحسن بالتعاون العملي لصالح أتباع هذا المكوّن من دون تمييز أو استثناء انطلاقًا من وحدة التقاليد وغنى التراث وأصالة اللغة ومشتركات الليتورجية الجميلة. نأمل أن تؤدي كنيسة العراق خاصة دورها المتعارف في إثراء الوطن فكريًا وسياسيًا ووطنيًا واجتماعيًا ودعم قيم الاعتدال والتضامن الوطني. وحبذا لو وفى غبطتُه بكلماته الذهبية» نحن نترك السياسة للسياسيين لأن لدينا الكثير ممّا نعملُه ويغنينا عن التدخل في السياسة».  ومثل هذا القول قابل التطبيق فقط، حين يشعر جميع المواطنين ومنهم المسيحيين بأنَّ حقوقَهم مصانة بالعدالة والمساواة مثل سائر المكوّنات لتكون هي الركائز الأساسية لبناء دولة قوية مدنية علمانية التوجهات ذات ولاء وطني وليس تابعة ذليلة لأيّ طرف أو بلدٍ أو فاقدة للسيادة والإرادة وحسن الإدارة.


مشاهدات 66
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/06/13 - 1:50 PM
آخر تحديث 2026/06/13 - 3:19 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 640 الشهر 12438 الكلي 15887919
الوقت الآن
السبت 2026/6/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير