الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنسنة السياسة لعامر حسن فياض.. مقتربات لتخليص السياسة من السذاجة

بواسطة azzaman

أنسنة السياسة لعامر حسن فياض.. مقتربات لتخليص السياسة من السذاجة

حسن حمدان

 

ينطلق كتاب «أنسنة السياسة: مقتربات لتخليص السياسة من السذاجة» لمؤلفه الأستاذ الدكتور عامر حسن فياض، وهو أكاديمي وباحث متخصص في الفكر السياسي، ويذهب المؤلف للتحليل من خلال الاستناد على رؤية استراتيجية وفلسفية عميقة تسعى لانتشال العمل السياسي المعاصر من مستنقع التفاهة والفساد الذي تغلغل فيه. وتقوم الفرضية الأساسية لهذا العمل على أن السياسة في جوهرها صناعة إنسانية وعمل بشري عاقل يستمد شرعيته من التفكير في قضايا الجماعة وتدعيم قيم الحوار والشفافية والمحاسبة الفاصلة بين موت السياسة واستمرارها حية. ويرى المؤلف أن الروح الإنسانية والأخلاقية قد توارت وانعدمت في الفضاء السياسي الدولي نتيجة توحش الرأسمالية العالمية وعولمة المصالح المادية، الأمر الذي حوّل السياسة إلى أداة للهيمنة والإبادة الجماعية وصناعة الفوضى والتفاهة حيث يُبجل الفاشل ويُفشل الناجح. ومن هذا المنطلق، يطرح الكتاب مشروعاً بديلاً يهدف إلى عقلنة السياسة وتطهيرها من نجاسات الساسة، وتطويع تقنيات المعرفة والذكاء الاصطناعي لخدمة البشر وحماية الحقوق والحريات الأساسية، لبناء أنظمة سياسية محصنة بقوة المعرفة ومدرعة بالأخلاق والقانون ليكون التفكير والسلوك السياسي في خدمة الإنسانية.

و بالموازاة مع هذه الفرضية الاستراتيجية الشاملة، يتأسس الهيكل البنائي للكتاب على اثني عشر مقترباً معرفياً تتضافر منهجياً لتفكيك موضوع الدراسة وسرد مساراته الفكرية بطريقة تكاملية. حيث يستهل المؤلف أطروحته بالمقترب الأول الذي يناقش التلازم البنيوي بين الأخلاق وأنسنة السياسة، لينتقل بعد ذلك في المقترب الثاني إلى تفكيك مفهوم الدولة وسيادتها في ظل التحولات المعاصرة، متبوعاً بالمقترب الثالث الذي يعيد أنسنة وتحليل مفاهيم مفصلية في الفكر السياسي. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يطرح المقترب الرابع بلسم الشفاء من موت السياسة، ليمهد الطريق للمقترب الخامس المتعلق بأنسنة الديمقراطية ومشتقاتها، والمقترب السادس الذي يبحث في أنسنة نهضة العراق. ويمتد هذا الترابط المنهجي السردي ليشمل المقترب السابع الذي يضع الحكم الصالح كعلامة فارقة لأنسنة السياسة، والمقترب الثامن المخصص لأنسنة الخطاب السياسي الخارجي العراقي، وصولاً إلى المقترب التاسع الذي يعرض مختارات لأنسنة عقول أعلام وشعوب. وفي المحاور الختامية، ويسعى الكتاب في المقترب العاشر إلى تخليص العقل السياسي من خدع أمركة العالم، ليتناول في المقترب الحادي عشر أوهام رحمنة الصهيونية وكيانها، وينتهي بالمقترب الثاني عشر الذي يكرسه لأنسنة القضية الفلسطينية باعتبارها مدماكاً راسخاً لمسار التحرر القادم وحرية الإنسان.

معاضل بنوية

وبناءً على ذلك، يسلط الكتاب الضوء على جملة من المعاضل البنيوية والأزمات المفاهيمية التي يمر بها الواقع المعاصر، وفي مقدمتها ظاهرة الحداثة السيالة نحو التوحش التي كرست الصفر الأخلاقي وتسييد الاستهلاكية، وتفريغ الدولة من سيادتها الوطنية لصالح شركات عابرة للقومية وقوى رأسمالية متوحشة. كما يضع الكتاب يده على مشكلة النوستولوجيا وهي التوق غير السوي للماضي والعجز عن التكيف مع مستجدات العصر، فضلاً عن أزمة الديمقراطية الليبرالية المتخشبة التي تحولت إلى شعارات شكلية تخفي خلفها تهميش الأغلبية واستغلال الشعوب والتحايل عليها. وفي الواقع العراقي، يشخص المؤلف أزمات عنقودية متمثلة في العوز التشريعي، والعوق المؤسساتي، والمحاصصة المكوناتية الضيقة، وتفشي الفساد الذي تحول إلى بنية محمية، جنباً إلى جنب مع مخاطر رقمنة المجتمعات واستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإبادة الجماعية وإذلال البشر. ولمواجهة هذه الأزمات، يطرح الكتاب معالجات موضوعية ترتكز على تخضير الدولة وتحويلها إلى أداة تخدم التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وترويض تقنيات الذكاء الاصطناعي تهذيباً أخلاقياً وإنسانياً. ويتطلب الحل إقامة دولة القانون وسيادة الدستور، وإعادة بناء المؤسسات الدينية والإيمانية من داخلها على مستويات الفكر والضمير لتحرير العقل من الوصاية وتكريس قيم التسامح والعدالة المدنية على الأرض.

ومن هذا المنطلق المعرفي، يقدم الكتاب قيمة تطبيقية بالغة الأهمية ودليلاً استراتيجياً للمختصين وصناع القرار من أجل تطوير الأداء المؤسسي وبناء قدرات الأفراد وإدارة المواهب. ويتجلى هذا الدليل في ضرورة صناعة رجال دولة يمتلكون مواصفات قيادية رفيعة يجيدون التعامل مع أطروحة السيادة فكراً وفعلاً، وليس مجرد أزلام سياسة عابرين، بحيث يتسلح هؤلاء القادة بثقافة الاستقالة عند الإخفاق، وثقافة التكميل الإيجابي لعطاء من سبقهم، فضلاً عن ثقافة التفاعل والتسويات البناءة مع المختلف. ويرى المؤلف أن بناء الأفراد يبدأ من إصلاح العملية التعليمية والأكاديمية، لإنتاج مواطنين أذكياء ومستنيرين يمثلون الركن المتين للمملكة والأساس الراسخ للحكم الصالح. وبناءً على ذلك، فإن القيمة الاستراتيجية للكتاب تكمن في تغيير أنماط التفكير الفردي والمؤسسي، من خلال مغادرة التفكير الاستهلاكي المربوط بحبال المديونية الأجنبية، والتحول نحو فعل إنتاجي ومعرفي متحرر. ويشمل تطوير القدرات ترسيخ مبدأ الانضباط الذاتي، والنقاء العقلي، والتحصن بالوعي السياسي والأخلاقي والقانوني، مما يمكن الأفراد من ممارسة المقاومة الذهنية والمراقبة الدائمة للسلطة، وضمان حوكمة رشيدة تستند إلى الكفاءة والجدارة في تحقيق الصالح العام في ممارسة الحكم.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يطرح الكتاب رؤية إصلاحية نظامية وجذرية، يوجه من خلالها نقداً علمياً صارماً للواقع الحالي القائم على المحاصصات المكوناتية الضيقة مذهبياً وعشائرياً وقومياً وحزبياً، داعياً إياها إلى مغادرة العشوائية وسلطة الغنائم ونفوذ المصالح الضيقة. وينادي العمل بتبني بديل تكنوقراطي وعلمي يقوم على عقليات تؤمن بالتعددية السياسية الحقيقية وتكامل سيادة الداخل والخارج، ونقل العمل إلى فضاء وطني أوسع تحت شعار العراق أولاً. وتتطلب هذه الرؤية الإصلاحية إرساء قواعد دولة الحق المسلح القادرة على مناهضة الباطل ومكافحة الإرهاب والفساد بالتزامن، مع حصر السلاح بيد الدولة، وتخوين وتجريم كل من يستقوي بالأجنبي. كما يشدد البديل المطروح على إصلاح أداء مجلس النواب ليكون معبراً حقيقياً عن الإرادة الشعبية ومصنعاً لرجالات الدولة، من خلال تفعيل سلسلة قيادة موحدة تلتزم بأحكام الدستور والقانون. إن هذا الإصلاح الجذري ينشد التحول من حالات الفوضى وما قبل الدولتية إلى حالة النظام والاستقرار، والانتقال بالأفراد من الرعوية والاتباعية إلى فضاء المواطنة المدنية الفاعلة، القائمة على التوزيع العادل للثروة وبناء اقتصاد إنتاجي يوفر الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والمعرفة.

تأكيد الباحثين

وفي الختام، يمثل هذا الكتاب وثيقة أكاديمية واستراتيجية بالغة الأهمية، تحث بوضوح وتأكيد الباحثين  والمختصين وصناع القرار كافة  على مطالعتها بتمعن والوقوف على أطروحاتها. وبناءً على ذلك، فإن التمعن في مقتربات الكتاب يمثل ضرورة ملحة لاستشراف الحلول وتجاوز أزمات الحاضر العنقودية، انطلاقاً من الوعي العميق بضرورة حماية الجسد الوطني؛ لأن التاريخ والواقع يعلماننا دوماً أنه عندما تتهاوى الجدران الوطنية، فإن الغرباء لا يصلحون للإنقاذ.

 


مشاهدات 60
الكاتب حسن حمدان
أضيف 2026/06/13 - 1:50 PM
آخر تحديث 2026/06/13 - 3:07 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 640 الشهر 12438 الكلي 15887919
الوقت الآن
السبت 2026/6/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير