توضيح إشاري
نتأمل القصة القصيرة جداً بوصفها المقابر الثقافية المزدحمة بالفارغين
شوقي كريم حسن
رغم ما أعيشه من ضيم وقهر،نتيجة
أحساسي المفرط الوجع،بإننا نعيش
حياة متخمة بالفشل والضياع،داخل وطن مليء بالمفاسد والشرور والآثام
،لا أعترض على الأنشطة الثقافية التي تتكاثر كل يوم كما تتكاثر اللافتات على الجدران. ولا أعترض على الندوات والأمسيات والمعارض والملتقيات التي تُقام هنا وهناك، حتى وإن كانت تدور غالبًا في الفلك نفسه، وتستضيف الوجوه ذاتها، وتكرر الأفكار ، وتعيد تدوير الكلمات نفسها.لكن سؤالًا واحدًا يطاردني كالكابوس:
أين الناس،،،،أين طلبة الجامعات الذين يفترض أن تكون الثقافة أحد روافد وعيهم؟ أين الشباب الذين نشتكي صباح مساء من انصرافهم نحو التفاهة؟ أين المعلمون والموظفون والعمال والنساء وربات البيوت؟ أين الجمهور الذي يُفترض أن هذه الفعاليات أُقيمت من أجله أصلًا؟
حين تدخل كثيرًا من هذه الأنشطة، تشعر أنك دخلت غرفة مرايا. الوجوه ذاتها تجلس في المقاعد. الأسماء ذاتها تتصدر المنصات. التصفيق ذاته يتكرر. وحتى النقاشات تبدو وكأنها نسخة من نقاشات سابقة أُعيد تسخينها وتقديمها من جديد.لقد أصبح النجاح الثقافي يُقاس بعدد الصور المنشورة، لا بعدد العقول التي تغيّرت. وأصبح المهم أن يُقام النشاط، لا أن يُحدث أثرًا. وأن يُملأ البرنامج السنوي بالعناوين، لا أن يُملأ المجتمع بالمعرفة.المشكلة ليست في قلة الفعاليات، ربما في كثرتها غير المدروسة. فحين تتحول الثقافة إلى نشاط مغلق على أصحابه، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية: الوصول إلى الناس.ما قيمة أمسية شعرية لا يحضرها إلا الشعراء؟ وما قيمة ندوة فكرية لا يناقشها إلا منظموها؟ وما قيمة معرض كتاب يزوره الكتّاب أكثر مما يزوره القرّاء؟
مقاعد فارغة
الثقافة التي لا تستطيع اجتذاب الجمهور ليست منتصرة، مهما ازدحمت صورها على مواقع التواصل. إنها تشبه مدينة مليئة بالمسارح المضيئة، لكن مقاعدها فارغة.ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نشاطًا ثقافيًا أقمنا هذا العام؟
بل: كم إنسانًا جديدًا أدخلنا إلى دائرة الثقافة؟
ذلك الرقم المخيف الذي لا، أجد أحداً أن يتحدث عنه.وإذا أردنا قدرًا أكبر من الصراحة، فعلينا أن نعترف المؤسسات الثقافية وقعت في فخ النخبوية المريحة. اعتادت مخاطبة جمهور تعرفه مسبقًا، جمهور يشبهها ويتفق معها ويجاملها . أما الجمهور الحقيقي، الموجود في الجامعات والشوارع والمقاهي والأحياء الشعبية، فقد تُرك خارج المشهد وكأنه تفصيل ثانوي.لا أحد يسأل لماذا لا يأتي الطلبة. لا أحد يذهب ليسألهم: ماذا تريدون أن تقرؤوا؟ ما الموضوعات التي تشغلكم؟ ما الشكل الثقافي الذي يمكنه جذبكم؟ الجميع ينتظر منهم أن يأتوا إلى القاعات، بينما لا يكلف أحد نفسه عناء الذهاب إليهم.والنتيجة أن الثقافة تحولت،، إلى حوار مغلق بين مجموعة تعرف بعضها جيدًا. يتحدث المتحدثون إلى الحاضرين، والحاضرون يعرفون المتحدثين، والجميع يلتقط الصور مع الجميع، ثم يعودون إلى بيوتهم مقتنعين بأنهم أنجزوا مهمة عظيمة.لكن خارج القاعات، آلاف الشباب الذين لم يسمعوا أصلًا بوجود النشاط، أو سمعوا به ولم يجدوا فيه ما يلامس حياتهم وأسئلتهم وهمومهم.إن الأزمة ليست أزمة جمهور، بل أزمة تصور كامل لدور الثقافة. الثقافة ليست ديكورًا حضاريًا نعلقه على جدار المدينة. وليست مناسبة بروتوكولية لتبادل كلمات الشكر والدروع التذكارية. الثقافة فعل تغيير، وفعل إزعاج .
اجابات قديمة
إنها القدرة على طرح الأسئلة المؤلمة، لا الاكتفاء بإعادة الإجابات القديمة.ولهذا تبدو بعض الأنشطة وكأنها تدور في حلقة مفرغة؛ تبدأ بالكلمات نفسها وتنتهي بالوجوه نفسها، بينما يظل المجتمع الحقيقي واقفًا خلف الباب، لا يشارك ولا يتأثر ولا يشعر بأن ما يجري يعنيه.ربما آن الأوان لطرح سؤال أكثر قسوة:هل فشل الناس في الوصول إلى الثقافة، أم فشلت الثقافة في الوصول إلى الناس؟
ذلك السؤال يجب أن يؤرق كل منظم نشاط، وكل مؤسسة ثقافية، وكل مثقف يعتقد أن المشكلة تكمن دائمًا في الجمهور.الجمهور لا يهرب من الشيء الذي يشعر أنه يمسه ويضيف إليه ويغيره. الناس يذهبون إلى ما يرونه حيًا وضروريًا. أما حين تتحول الثقافة إلى طقس مغلق، فإنها تبدأ بالتآكل من الداخل، حتى لو بدت من الخارج مزدحمة باللافتات والابتسامات والصور التذكارية.حينها لا تعود القاعات الثقافية سوى مقابر أنيقة للأفكار؛ مقابر مضاءة جيدًا، لكنها .يمكن أن تكون الخاتمة أكثر حدة ووقعًا:، لست قلقًا على الثقافة من أعدائها، بقدر قلقي عليها من محبيها الذين اكتفوا بإعادة إنتاج المشهد عشرات المرات وهم ينتظرون نتائج مختلفة.إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نشاط ثقافي ليس النقد، بل الإعتياد. أن يصبح حدثًا متوقعًا، وحضورًا متوقعًا، وكلامًا متوقعًا، وتصفيقًا متوقعًا. عندها تموت الفكرة قبل أن تبدأ، ويتحول الفعل الثقافي إلى عادة إجتماعية لا أكثر.ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يُكتب على أبواب جميع القاعات الثقافية ليس: «من هو ضيف الندوة اليوم؟»، بل:أين الناس؟
أين الطالب الذي لم يدخل هذه القاعة يومًا؟
أين العامل الذي لم يكن له وجود في خطابنا؟
أين الشاب الذي ابتعد عنا لأننا لم نقترب منه؟
أين المجتمع الذي نزعم أننا نتحدث باسمه؟
فإذا ظلّت المقاعد تُملأ بالوجوه نفسها، والعقول تُخاطب باللغة نفسها، والأسئلة تُعاد بالصوت نفسه، فإننا لا نصنع حراكًا ثقافيًا، بل ندير حلقة مغلقة من المجاملات.وعندها سيكون علينا الأعتراف بالحقيقة المؤلمة:**ليست المشكلة في غياب الجمهور عن الثقافة، إنما في غياب الثقافة عن الجمهور.!!