الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة خيمائية لرواية المقايضة القصيرة جدا للروائي العراقي حميد الحريزي


قراءة خيمائية لرواية المقايضة القصيرة جدا للروائي العراقي حميد الحريزي

مسعودة القاسمي

 

ان رواية "المقايضة" القصيرة جدا احميد الحريزي ليست نصا عن "الذيوي" وانما تتحدث عن الثمن الذي يدفعه الانسان حين يقايض حريته بالطاعة إنها من تلك النصوص القصيرة التي تبني عالما غرائبيا، لكنها لاتهرب من الواقع، بل تكشف من خلال المبالغة الرمزية. ولو قرات الرواية قراءة خيميائية فستكتشف أن الماتب لم يكتب عن مملكة متخيلة ، بل عن المراحل التي تمر بها النفس والمجتمع عندما تتحول السلطة الى عقيدة والطاعة الى هوية . فمن العنوان "المقايضة" ندرك أن الكاتب لا يختار كلمة عابرة لكنه  يضع مفتاح للنص كله. فالمقايضة في ظاهرها تبادل سلع، اما في عمقها فهي تبادل للقيم. والسؤال الذي يرافق القاريء حتى النهاية ليس ما سيباع؟ لقد باع حريته واستقلال وعيه وحقه في السؤال مقابل الامان والانتماء والقبول الاجتماعي. لذلك فالعنوان لايصف حدثا يقع في النهاية وانما يصف العملية التي بدأت منذ الحظة الاولى التي رضي فيها الانسان ان ينمو له "ذيل".

وتمثل المملكة بما يسميه الخيميائيون المادة السوداء وهي المرحلة التي يغيب فيها الوعي تحت ركام الخوف والتلقين. فالناس هنا لا يولدون بذيول وانما تصنع لهم الذيول بالتلقين والتدجين ، وكان الكاتب يقول ان الاستبداد ليس وراثة بيولوجية، بل هو صناعة ثقافية. وكلما طال الذيل ازداد ابتعاد الانسان عن فطرته، لان الذيل هنا لايمثل عضوا جسديا انما امتدادا للانا الخاضعة . ويبلغ الرمز ذروته حين تتحول الذيول الى معيار للطبقية والزواج والعمل والكرامة وحتى قيمة الانسان في حد ذاته. هكذا يقدم الكاتب نقدا فلسفيا بالغ العمق فالمجتمعات الاستبدادية لاتكتفي باخضاع الجسد بل تعيد تعريف الفضيلة نفسها، حتى يصبح الخضوع فضيلة والاستقلال انحرافا. وشخصية الصحفي لاتمثل بطلا تقليديا ولكن ترمز للوعي المراقب. انه يدخل مرتديا جلبابا يخفي جسده كله وهذا الجلباب يمثل القناع الذي يضطر الوعي الى ارتدائه حين يدخل عالما لايحتمل الحقيقة فكل رحلة معرفة تبدأ بقناع لكنها  لاتنتهي به.

اما الذيل فهو أعظم ابتكار رمزي في الرواية انه ليس علامة ولاء للملك فقط، بل صورة لكل مايضيفه الانسان الى ذاته حتى يضمن القبول لذلك يختلف طوله ولونه ، ويقاس ويعتنى به ويزين كما يعتني الناس في الواقع بصورهم الاجتماعية ومناصبهم والقابهم والقابهم . فالذيل هو الانا الاجتماعية حين تصبح اهم من  الانسان نفسه.

ويزداد الناء الرمزي تعقيدا حين تنشأ مؤسسات كاملة لخدمة الذيل من اطباء وصالونات وابحاث جينينة ووزارة للتدجين

هكذا تتحول السلطة الى منظومة الى منظومة تنتج نفسها بنفسها فالاستبداد الحقيقي لايعتمد على السلاح وحده، بل على التربية والتعليم والاعلام واللغة والطقوس اليومي ولذلك يردد الجميع الهتافات حتى  في غياب الرقيب لأ ن الرقيب الحقيقي اصبح يسكن داخلهم . ون اجمل المفارقات الفنية ان الكاتب يجعل الحيوانات اسماء للقطيع كلأسود والثعالب والذئاب والكلاب والغزلان لكنه لايقصد الحيوان بل هي ايحاء للوظيفة النفسية. فكل انسان يفقد فرديته يتحول الى وظيفة داخل منظومة أكبرمنه حتى يغدو اسمه الحقيقي برلا قيمة.

ثم تأتي القلعة وهيؤمن اهم المحطات الخيميائية في النص. ففي الوقت الذي تسمي فيه المملكة هؤلاء " شواذا"، يكتشف الصحفي انهم الفلاسفة والمبدعون والشعراء والمبتكرون. هنا يقلب الكاتب المعادلة فالمنبوذ هو السليم اما المقبول اجتماعيا فهو المروض. انها لحظة انتقال من ظلمة الجماعة الى نور الفرد. غير ان القوة الفلسفية تأتي في المشهد الأخير حين يصل الصحفي الى الملك. بعد كل هذا العالم الذي يقوم على تمجيد الذيل، يكتشف ان المللك نفسه بلا ذيل .

 انها خاتمة من اذكى ما كتب في السرد الرمزي. لان السلطة التي تطالب الجميع بالطاعة المطلقة لاتخضع هي للقانون الذي تفرضه على الاخرين فالذيل لم يكن رمزا للشرف، انما هو رمزا للعبودية ولذلك لايحتاجه الحاكم .

فالرحلة لم تكن من مكان الى مكان. بل من الوهم الى كشف وهم أكبر. غير ان الكاتب لا يمنح القاريء نهاية مطمئنة ، بل يضاعف المفارقة عبر "المقايضة" فالمبدعون يباعون للخارج والمملكة تفرح بالتخلص منهم بينما العالم الاخر يتنافس على شرائهم . وكأن الابداع حين يضيق به وطن يصبح ثروة في وطن آخر.

لقد نجح الكاتب في بناء عالم متكامل بقوانينه الخاصة، ولغته وطقوسه وتسلسله المنطقي، رغم أن النص لايتجاوز 2868 كلمة . لقد اعتمد الكاتب السرد على التراكم اذ لايكشف الرمز دفعة واحدة، بل يسمح له بالنمو تدريجيا ، حتى يصل ذروته في اللقاء الاخير مع الملك. كما ان توظيف السخرية السوداء جعل الرواية أكثر ايلاما من أي خطاب مباشر ، لان القاريء يبتسم وهو يكتشف أنه يقرأ عن واقع يعرفه جيدا .

وقد يوؤخذ على النص ميله في بعض المواضع الى الاسهاب الوصفي وتكرار بعض الافكار، مما يخفف قليلا من كثافة الرواية القصيرة جدا، الا ان هذا الامتداد يخدم أحينا بناء العالم الرمزي وإقناع القاريء بقوانينه .

خلاصة القول لا تتحدث رواية " المقايضة" عن مملكة بعيدة لكنها تطرح سؤالا انسانينا خالدا، الاوهو متى يبدأ الذيل بالنمو ؟ والجواب الذي يتركه الكاتب بين السطور هو أنه يبدأ حين يتنازل الانسان عن حريته الداخلية ويتوقف عن التفكير ويستبدل ضميره برضا السلطة ومن هنا يغدو النص في جوهره رحل خيميائية معاكسة تدعو للتخلص من كل ذيل رمزي يربط الانسان بالخوف، حتى يعود الى فطرته الاولى حرا مفكرا ومسؤولا عن اختياراته.


مشاهدات 18
الكاتب مسعودة القاسمي
أضيف 2026/07/22 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/07/23 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 24562 الكلي 15929689
الوقت الآن
الخميس 2026/7/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير