الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أين نحن من النمور الأربعة وأشبالها؟

بواسطة azzaman

أين نحن من النمور الأربعة وأشبالها؟

جاسم الشيخ

 

يأتي هذا المقال غداة اختتام اجتماعات وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا ، والاجتماعات المرتبطة بها التي انعقدت في العاصمة الفلبينية مانيلا خلال الأسبوع الماضي، في وقت ما تزال فيه مخرجات هذه الاجتماعات وتفاعلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية حاضرة في النقاش الإقليمي والدولي. ولم تكن تلك الاجتماعات مجرد لقاء دبلوماسي دوري، بل عكست المكانة التي استطاعت دول جنوب شرق آسيا أن تبنيها، وقدرتها المتزايدة على التحرك بوصفها كتلة إقليمية لها وزنها في عالم تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وتضطرب فيه طرق التجارة وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتكنولوجيا.

وبعد أكثر من نصف قرن على انطلاق آسيان، تمنحنا هذه المناسبة فرصة للنظر إلى التجربة الآسيوية من زاوية أوسع.

قصة طويلة

فخلف الاجتماعات والبيانات الدبلوماسية تقف قصة طويلة من التحول الاقتصادي والاجتماعي، بدأت في دول كانت تعاني الفقر والحروب والاستعمار وضعف البنية الأساسية، ثم تحولت خلال عقود قليلة إلى مراكز عالمية للصناعة والتجارة والتمويل والتكنولوجيا.

وعندما نتأمل مسيرة النمور الآسيوية الأربعة ، وهي كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ، ثم ننظر إلى تجارب أشبال النمور ، وفي مقدمتها ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا والفلبين وفيتنام، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على مقدار ما حققته هذه الدول من نمو، بل يجب أن يمتد إلى الكيفية التي صنعت بها ذلك النمو، وإلى ما يمكن أن نتعلمه من تجاربها.

السؤال الحقيقي ليس: كيف أصبحوا أغنياء؟ بل: كيف بنوا الدولة القادرة على التعلم؟ وكيف ربطوا التعليم بالإنتاج؟ وكيف حولوا الموانئ والمصانع والمدارس والجامعات إلى أجزاء من مشروع وطني واحد؟ والأهم من ذلك: أين نحن من هذه التجارب، مع ما تملكه دولنا العربية من موارد ومواقع استراتيجية ورؤوس أموال وطاقات بشرية؟

لم تكن معجزة عابرة

كثيرًا ما توصف تجربة شرق آسيا بأنها (المعجزة الآسيوية)، لكن هذا الوصف قد يحجب جوهرها الحقيقي. فما حدث لم يكن قفزة مفاجئة أو نتيجة ظرف استثنائي، بل حصيلة عقود من العمل المتدرج، والتخطيط طويل المدى، والانضباط المؤسسي، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح المحسوب على الأسواق العالمية.

لم تتبع هذه الدول نموذجًا واحدًا بصورة حرفية. فسنغافورة مدينة صغيرة مفتوحة على الاستثمار العالمي، وكوريا الجنوبية بنت شركات صناعية ضخمة، وتايوان اعتمدت بدرجة واسعة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهونغ كونغ ركزت على التجارة والخدمات المالية. ومع ذلك، اجتمعت تجاربها حول مبادئ واضحة: دولة فعالة، وتعليم مرتبط بحاجات الاقتصاد، وسياسات صناعية محددة، وتشجيع للتصدير، ومؤسسات قادرة على متابعة التنفيذ، واستعداد دائم لتغيير الأدوات عندما تتغير الظروف.

لم تكن الحكومات غائبة عن الاقتصاد، كما لم تكن تديره بالكامل. كانت تحدد الأولويات، وتبني البنية الأساسية، وتوجه التمويل.

وتوفر الحوافز، لكنها تطالب الشركات في المقابل بنتائج قابلة للقياس. لم يكن الدعم حقًا دائمًا، بل أداة لبناء قدرة تنافسية. ولم يكن الاستثمار الأجنبي مجرد مبلغ يدخل الاقتصاد، بل وسيلة لنقل التكنولوجيا وتدريب القوى العاملة وربط الشركات المحلية بالأسواق الدولية.

وهذه نقطة مهمة في فهم التجربة؛ فالدول الآسيوية لم تترك التنمية للصدفة أو لقوى السوق وحدها، ولم تعتقد أن إنشاء الطرق والموانئ أو توقيع اتفاقيات الاستثمار سيقود تلقائيًا إلى بناء اقتصاد متقدم. لقد أدركت أن الانتقال من الزراعة إلى الصناعة، ومن الصناعة البسيطة إلى التكنولوجيا، يتطلب قيادة واضحة ومؤسسات تستطيع التنسيق بين التعليم والتمويل والصناعة والتجارة.

كوريا الجنوبية: من آثار الحرب إلى قمة الصناعة

عندما انتهت الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي، كانت كوريا الجنوبية من أفقر دول العالم. دمرت الحرب مدنها وبنيتها الأساسية، وكانت مواردها الطبيعية محدودة، كما لم تكن تملك سوقًا داخلية كبيرة أو فوائض مالية تسمح لها بشراء التنمية جاهزة. وكان المورد الحقيقي المتاح لها هو الإنسان.

بدأت الدولة بإصلاحات زراعية وتوسيع التعليم الأساسي، ثم اتجهت في الستينيات إلى بناء صناعات خفيفة موجهة للتصدير، مثل الملابس والمنسوجات والمنتجات البسيطة. لم تكن هذه الصناعات نهاية المشروع، بل كانت مدرسة أولى لتعلم الإنتاج والانضباط والجودة والتعامل مع الأسواق الخارجي

ومع تراكم الخبرة ورأس المال، انتقلت كوريا إلى الحديد والصلب وبناء السفن والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة. ثم دخلت مجالات السيارات والإلكترونيات والاتصالات وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الرقمية. وكانت كل مرحلة تمهد لما بعدها؛ فالدولة لم تقفز من الزراعة مباشرة إلى التكنولوجيا المتقدمة، بل بنت قاعدة معرفية وصناعية متراكمة.

لعبت الشركات الكورية الكبرى دورًا أساسيًا في هذا التحول. حصلت على التمويل والحماية والتسهيلات، لكنها تعرضت في المقابل لضغط مستمر من أجل التصدير والمنافسة. ولم يكن نجاح الشركة يقاس بعلاقاتها مع الحكومة أو بحصتها في السوق المحلية، بل بقدرتها على بيع منتجاتها في الخارج ومواجهة الشركات اليابانية والأميركية والأوروبية.

وفي قلب هذه التجربة كان التعليم. فقد توسعت كوريا في المدارس، ثم في التعليم التقني والهندسي والجامعي، وربطت مخرجاته بالمراحل التي يمر بها الاقتصاد. وعندما انتقلت إلى التكنولوجيا، ضاعفت الاستثمار في البحث والتطوير، وشجعت الشركات على امتلاك المعرفة، لا الاكتفاء بشراء المعدات أو الحصول على تراخيص الإنتاج.

لم تصبح الشركات الكورية علامات عالمية في السيارات والإلكترونيات والسفن بين ليلة وضحاها. بدأت كثير من هذه الشركات بإنتاج سلع بسيطة أو تجميع منتجات مصممة في الخارج، ثم تعلمت كيف تحسن الجودة، وكيف تطور التصميم، وكيف تدير سلاسل التوريد، وكيف تدخل الأسواق العالمية بعلاماتها الخاصة.

تخبرنا كوريا أن الصناعة ليست مباني وآلات فقط، بل ثقافة عمل ومهارات وإدارة وبحث علمي وقدرة على التحسين المستمر. كما تخبرنا أن الدعم الحكومي يمكن أن يكون قوة للنهوض، لكنه يصبح عبئًا عندما ينفصل عن الأداء والمساءلة.

سنغافورة: كيف تصنع الدولة مواردها؟

عند استقلال سنغافورة في ستينيات القرن الماضي، كانت جزيرة صغيرة لا تملك نفطًا ولا معادن ولا أراضي زراعية واسعة، وتعاني البطالة ونقص المساكن والتوترات الاجتماعية. لم يكن حجمها أو موقعها وحدهما كافيين لصناعة النجاح، لكنها أدركت أن الدولة التي لا تملك موارد طبيعية تستطيع أن تصنع مواردها من خلال الإدارة والكفاءة والتعليم والثقة.بنت سنغافورة جهازًا حكوميًا فعالًا، وطورت الميناء والمطار وشبكات النقل والطاقة والاتصالات، ووفرت بيئة قانونية مستقرة، وتعاملت بصرامة مع الفساد. وكانت رسالتها إلى المستثمر واضحة: ستجد هنا إدارة سريعة، وقوانين يمكن توقعها، وقوة عمل متعلمة، وبنية أساسية موثوقة.

بدأت باستقطاب الصناعات التي تحتاج إلى أيدٍ عاملة، ثم انتقلت إلى الإلكترونيات والصناعات الدقيقة، وبعد ذلك إلى الخدمات المالية واللوجستية والطبية والتكنولوجية. وكانت تراجع باستمرار موقعها في الاقتصاد العالمي؛ فكلما فقد قطاع ما ميزته التنافسية، بحثت عن قطاع أعلى قيمة وأكثر اعتمادًا على المهارات والمعرفة.

لم تنظر سنغافورة إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره رقمًا يعلن في المناسبات، بل باعتباره وسيلة للتدريب ونقل المعرفة وفتح الأسواق. وكانت تحرص على أن تتطور مهارات مواطنيها بالتوازي مع تطور الشركات العاملة فيها. ولهذا أصبح التعليم والتدريب المستمر جزءًا من السياسة الاقتصادية، لا مجرد شأن اجتماعي أو مسار للحصول على الشهادات.

كما استخدمت الدولة الإسكان العام وتحسين الخدمات وبناء الأحياء المنظمة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي. فقد أدركت أن الاقتصاد لا يستطيع العمل بكفاءة في مجتمع يعاني التهميش والفوضى السكنية وضعف الخدمات الأساسية.

وتوضح سنغافورة أن صغر الدولة لا يعني صغر طموحها، وأن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى ميزة اقتصادية. فكم من دولة تمتلك موقعًا مهمًا، لكنها لا تملك الميناء الكفء أو الإدارة السريعة أو الخدمات التي تجعل ذلك الموقع ذا قيمة. لقد صنعت سنغافورة من الثقة والوقت والانضباط موارد اقتصادية لا تقل أهمية عن النفط والمعادن.

تايوان: حين تتحول الشركات الصغيرة إلى قوة عالمية

بدأت تايوان بإصلاح الزراعة وتحسين أوضاع الريف، ثم انتقلت إلى الصناعات الخفيفة الموجهة نحو التصدير. ومع مرور الوقت اتجهت إلى الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات وأشباه الموصلات، حتى أصبحت في قلب الصناعات التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.

وما يميز التجربة التايوانية أنها لم تعتمد فقط على عدد محدود من الشركات العملاقة، بل قامت على شبكة واسعة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كانت كل شركة تتخصص في جزء من عملية الإنتاج، ثم تتكامل مع شركات أخرى ضمن سلاسل توريد مرنة. وذلك نشأت منظومة تستطيع التكيف بسرعة مع تغير الطلب والتكنولوجيا.

أنشأت الدولة مراكز للبحث التطبيقي ومجمعات علمية، وربطت الجامعات بالصناعة، وشجعت العلماء والمهندسين العاملين في الخارج على العودة وتأسيس الشركات والمختبرات. ولم يكن هدفها امتلاك المصانع فقط، بل امتلاك المعرفة التي تشغلها وتطورها.

لم تصل تايوان إلى موقعها في صناعة أشباه الموصلات بقرار إداري مفاجئ، بل من خلال سنوات طويلة من بناء التعليم الهندسي، وتمويل البحث، وتطوير الموردين المحليين، وحماية الملكية الفكرية، والتعاون مع الأسواق والشركات العالمية.وكانت قدرة المؤسسات الحكومية على التقاط التقنيات الجديدة وتوجيه الاستثمارات نحوها عاملًا حاسمًا. فبدل الاكتفاء بالصناعات التي نجحت في الماضي، كانت تايوان تبحث باستمرار عن المجالات التي ستقود الاقتصاد في المستقبل.والدرس التايواني مهم لدولنا؛ فالمشروعات الصغيرة لا ينبغي أن تبقى محصورة في المطاعم والتجارة والخدمات البسيطة. يمكنها أن تصبح موردة للمصانع، ومطورة للبرمجيات، ومنتجة للمكونات، ومصدرة إلى العالم، إذا وجدت التمويل والتدريب والمختبرات والمعايير والأسواق.

هونغ كونغ: القدرة على تغيير الوظيفة الاقتصادية

بدأت هونغ كونغ ميناءً تجاريًا مفتوحًا، ثم توسعت في الصناعات الخفيفة، مثل المنسوجات والملابس والألعاب والإلكترونيات الاستهلاكية. وقد ساعدها نظام قانوني مستقر وإجراءات مرنة واتصال واسع بالأسواق الدولية.وعندما ارتفعت تكاليف الإنتاج، وانتقلت المصانع كثيفة العمالة إلى مناطق أقل كلفة، لم تتشبث هونغ كونغ بالصناعات القديمة. انتقلت إلى وظائف أكثر تقدمًا في سلسلة القيمة: التمويل والتأمين والشحن والتسويق والتصميم والخدمات القانونية والمهنية.تكشف هذه التجربة أن الاقتصاد الناجح ليس الذي يحافظ على القطاعات نفسها إلى الأبد، بل الذي يعرف متى ينتقل منها إلى قطاعات أعلى إنتاجية. فالتحول الاقتصادي لا يعني إنشاء قطاع جديد إلى جانب القطاعات القديمة فقط، بل قد يتطلب أحيانًا إعادة توزيع الموارد والمهارات ورأس المال.كما تبين التجربة أهمية الخدمات التي تحيط بالصناعة والتجارة. فالمصنع يحتاج إلى بنك يموله، وشركة تؤمن نشاطه، وميناء ينقل إنتاجه، ومكاتب قانونية تحمي عقوده، ومؤسسات تسوق منتجاته. وقد بنت هونغ كونغ قوتها من السيطرة على هذه الوظائف ذات القيمة العالية.لكن تجربتها تكشف أيضًا جانبًا آخر؛ فقد يؤدي التركيز المفرط على المال والعقار إلى ارتفاع تكاليف السكن واتساع الفجوات الاجتماعية. وهذا يذكرنا بأن النمو ليس غاية مستقلة، وأن قوة الاقتصاد يجب أن تنعكس على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.

ماليزيا: من المطاط والقصدير إلى الإلكترونيات

كانت ماليزيا تعتمد بدرجة كبيرة على المطاط والقصدير والمنتجات الزراعية، لكنها اتجهت تدريجيًا إلى تنويع الاقتصاد وبناء الصناعة. أنشأت مناطق صناعية وتصديرية، واستقطبت شركات عالمية، وخصوصًا في مجال الإلكترونيات والمكونات الكهربائية.وبمرور الوقت، أصبحت بعض مناطقها مراكز معروفة في شبكات الإنتاج العالمية، وتوسعت في الصناعات الكيميائية والغذائية والمالية والسياحية. كما حاولت استخدام عوائد الموارد الطبيعية لتطوير التعليم والبنية الأساسية والقطاعات الجديدة.وتتميز التجربة الماليزية بمحاولة الجمع بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ومعالجة التفاوت بين مكونات المجتمع. لكنها ظلت بحاجة إلى مراجعة سياساتها باستمرار، حتى لا تتحول بعض الإجراءات من أدوات لفتح الفرص وتوسيع المشاركة إلى ترتيبات تحد من المنافسة والكفاءة.وتواجه ماليزيا اليوم التحدي الذي تواجهه اقتصادات كثيرة وصلت إلى مستوى الدخل المتوسط: كيف تنتقل من تجميع المنتجات إلى تصميمها، ومن استضافة الشركات الدولية إلى بناء شركات محلية عالمية، ومن الاعتماد على انخفاض التكلفة إلى المنافسة بالمعرفة والابتكار؟فالوصول إلى الدخل المتوسط قد يكون أسهل من الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة. وفي المرحلة الثانية، لا تعود العمالة المنخفضة التكلفة كافية، بل تصبح جودة التعليم والبحث والإدارة والابتكار هي العوامل الحاسمة.

تايلاند: الصناعة التي استفادت من الزراعة والموقع

استثمرت تايلاند في الطرق والموانئ والطاقة والمناطق الصناعية، واستقطبت شركات دولية، خصوصًا في صناعة السيارات ومكوناتها والإلكترونيات والأجهزة الكهربائية. وأصبحت بمرور الوقت قاعدة إقليمية مهمة للإنتاج الصناعي.كما استفادت من قطاع زراعي واسع، فلم تكتف بتصدير المواد الزراعية الخام، بل طورت الصناعات الغذائية والتعبئة والتصنيع. وإلى جانب ذلك بنت قطاعًا سياحيًا كبيرًا أصبح أحد مصادر الدخل والعملات الأجنبية.لكن التجربة التايلاندية تؤكد أن استضافة المصانع الأجنبية لا تكفي. فإذا لم تتطور الشركات الوطنية ومراكز البحث والمهارات المحلية، فقد تبقى الدولة موقعًا للتجميع دون أن تمتلك التكنولوجيا أو القرار الصناعي.كما أن تكرار الاضطرابات السياسية وتفاوت التنمية بين العاصمة والأقاليم أظهرا أن الاستقرار المؤسسي جزء من القدرة الاقتصادية، وليس قضية منفصلة عنها. فالمستثمر والمصنع والباحث يحتاجون إلى قواعد مستقرة وآفاق يمكن توقعها.وتقدم تايلاند درسًا آخر يتعلق بالجمع بين المزايا التقليدية والقطاعات الحديثة. فلم تتخل عن الزراعة أو السياحة، لكنها عملت على رفع قيمتهما من خلال التصنيع والخدمات والنقل والتسويق.

 

إندونيسيا: الموارد الكبيرة لا تضمن التحول

تمتلك إندونيسيا سوقًا سكانية ضخمة وموارد طبيعية واسعة وموقعًا استراتيجيًا، لكنها واجهت تحديات ترتبط باتساع أراضيها وكثرة جزرها وتفاوت التنمية بين مناطقها.عملت على جذب الاستثمار وتطوير الصناعة وتحسين البنية الأساسية، وحققت تقدمًا في عدد من القطاعات. غير أن اعتمادها على تصدير بعض الموارد والمواد الأولية ظل يطرح سؤالًا مهمًا: هل يكفي امتلاك الثروة، أم يجب تحويلها إلى منتجات وتقنيات وقيمة مضافة؟تسعى إندونيسيا إلى أن تكون مواردها مدخلًا للصناعة، لا بديلًا عنها. وهي تحاول أن تربط استخراج المعادن بالتصنيع المحلي، وأن تستخدم سوقها الكبيرة لبناء شركات وطنية قادرة على التوسع والمنافسة.والدرس واضح: الموارد الطبيعية قد تساعد على التنمية، لكنها قد تؤخرها أيضًا إذا جعلت الاقتصاد يطمئن إلى العائد السهل. فالثروة الحقيقية ليست ما يوجد تحت الأرض، بل ما يستطيع الإنسان أن يضيفه إليها من معرفة وتقنية وتصنيع.كما أن السوق الكبيرة لا تكفي في حد ذاتها. فقد تحمي الطلبات المحلية الشركات فترة من الزمن، لكنها قد تقلل ضغط المنافسة والتصدير. ولهذا تحتاج الدول ذات الأسواق الواسعة إلى دفع شركاتها للخروج إلى العالم، لا الاكتفاء بالمستهلك المحلي.

الفلبين: طريق الخدمات والمهارات اللغوية

لم تسلك الفلبين المسار الصناعي نفسه الذي سلكته كوريا أو تايوان، لكنها استفادت من انتشار اللغة الإنجليزية، واتساع قاعدة المتعلمين، وصلاتها الدولية، وأصبحت مركزًا مهمًا لخدمات التعهيد ومراكز الاتصال والمحاسبة والخدمات الرقمية.كما أسهم العاملون في الخارج بتحويلاتهم في دعم الاقتصاد والاستهلاك. غير أن الاعتماد على الخدمات والتحويلات لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن بناء قاعدة إنتاجية أوسع.فالخدمات الحديثة تحتاج هي الأخرى إلى كهرباء موثوقة، واتصالات متقدمة، وتعليم جيد، وإدارة فعالة. كما أن الوظائف البسيطة في قطاع الخدمات قد تتعرض لضغط التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض الانتقال إلى البرمجة والتحليل والبحث والخدمات المتخصصة.توضح الفلبين أن لكل دولة طريقًا يمكن أن تبدأ منه، لكن نقطة البداية لا ينبغي أن تصبح سقفًا نهائيًا. فالقدرات اللغوية يمكن أن تفتح باب الخدمات، لكن الاستمرار يتطلب رفع القيمة المضافة وتطوير التكنولوجيا، وتحويل المهارات الفردية إلى شركات ومنتجات وطنية.

فيتنام: الشبل الأسرع صعودًا

تعد فيتنام من أكثر التجارب الحديثة إثارة للاهتمام. فقد خرجت من عقود من الحرب والاقتصاد المركزي المغلق، ثم بدأت في منتصف الثمانينيات إصلاحات تدريجية شملت الزراعة والأسعار والتجارة والاستثمار ودور القطاع الخاص.استفادت من قوة عمل شابة، وتحسن التعليم، والاستقرار، والقرب من شبكات الإنتاج الآسيوية. بدأت بالمنسوجات والأحذية والأثاث، ثم انتقلت إلى الإلكترونيات والهواتف والمعدات، وأصبحت قاعدة مهمة للشركات الباحثة عن مواقع إنتاج جديدة.لم تفتح فيتنام اقتصادها بلا شروط أو اتجاه، بل استخدمت الانفتاح لتوسيع الصادرات وبناء البنية الأساسية وتدريب العمالة. ومع ذلك، فإن تحديها المقبل هو الانتقال من التجميع إلى التصميم والابتكار، وزيادة مساهمة الشركات المحلية في سلاسل التوريد.تخبرنا فيتنام أن الدول لا تحتاج إلى انتظار اكتمال كل الظروف قبل أن تبدأ. يمكن للإصلاح المتدرج والواضح أن يطلق طاقات المجتمع، شرط أن يستمر وأن يصاحبه بناء للمؤسسات والتعليم والبنية الأساسية.كما تكشف تجربتها أن التأخر في البداية لا يعني استحالة اللحاق. فالدول التي تختار اتجاهًا واضحًا، وتتعلم من تجارب من سبقها، تستطيع اختصار بعض المراحل، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن العمل المؤسسي والاستثمار في الإنسان.

ما الذي جمع النمور وأشبالها؟

رغم اختلاف الأحجام والموارد والأنظمة السياسية، يمكن استخلاص مجموعة من العناصر المشتركة بين هذه التجارب.أولها أن التعليم كان مشروعًا اقتصاديًا ووطنيًا، لا مجرد خدمة تمنح الشهادات. فعندما احتاج الاقتصاد إلى العمال المهرة، توسع التدريب المهني. وعندما انتقل إلى الصناعة، زاد الاهتمام بالهندسة. وعندما دخل مرحلة التكنولوجيا، توسع البحث العلمي.لم يكن السؤال: كم جامعة أُنشئت؟ بل: ماذا تضيف هذه الجامعات إلى قدرة الاقتصاد على الإنتاج؟ وهل توجد علاقة بين ما يتعلمه الطالب وما تحتاج إليه المصانع والمؤسسات والأسواق؟وثانيها أن التصدير كان مدرسة للجودة. فالسوق العالمية لا تجامل الشركة بسبب جنسيتها، بل تحكم على السعر والجودة والسرعة والموثوقية. ولهذا أجبر التصدير الشركات على التطور المستمر، ومنع كثيرًا منها من الاكتفاء بالحماية والعقود الحكومية.وثالثها أن الاستثمار الأجنبي كان وسيلة لا غاية. لم يكن السؤال: كم دخل من المال؟ بل: ماذا تعلمت الشركات المحلية؟ كم وظيفة نوعية أُنشئت؟ ما التكنولوجيا التي انتقلت؟ وما مقدار القيمة التي بقيت داخل الاقتصاد؟ورابعها وجود دولة قادرة على التنفيذ. فالخطة الاقتصادية لا قيمة لها إذا ضاعت بين الجهات أو تغيرت بتغير المسؤولين. وقد نجحت دول شرق آسيا في بناء أجهزة حكومية تستطيع تحديد الأولويات ومتابعة النتائج وتصحيح الأخطاء.

 

وخامسها الاستمرارية مع المرونة. فقد استمرت الأهداف الكبرى عقودًا، لكن الأدوات والقطاعات تغيرت. انتقلت الدول من الزراعة إلى الصناعة، ومن الصناعة البسيطة إلى الثقيلة، ومن التجميع إلى التكنولوجيا والخدمات.وسادسها أن المشروعات الصغيرة كانت جزءًا من السياسة الصناعية، لا قطاعًا هامشيًا. فقد جرى ربطها بالمصانع الكبرى والأسواق الخارجية، وتوفير التدريب والتمويل والمواصفات والخدمات التقنية لها.

أين نحن عربيًا؟

لا تفتقر الدول العربية إلى الموارد أو المواقع أو رأس المال. بعضها يمتلك احتياطيات كبيرة من الطاقة، وبعضها يسيطر على ممرات بحرية وتجارية مهمة، وبعضها يملك أسواقًا واسعة وقوى بشرية شابة. كما حققت دول عربية تقدمًا ملحوظًا في البنية الأساسية والموانئ والطيران والاتصالات والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية.لكن المشكلة تبدأ عندما نقارن بين ما نمتلكه وما ننتجه. فما زال جزء كبير من اقتصاداتنا يعتمد على تصدير المواد الخام، أو الإنفاق الحكومي، أو الاستيراد، أو الأنشطة العقارية والاستهلاكية. وما تزال العلاقة بين التعليم وسوق العمل والإنتاج ضعيفة في كثير من الحالات.تتخرج أعداد كبيرة من الجامعات، لكن المصانع والشركات التكنولوجية تشتكي نقص المهارات. وتعلن استثمارات ضخمة، لكن نسبة المكونات والخدمات المحلية فيها تظل محدودة. وتنشأ مناطق اقتصادية، لكنها قد تبقى منفصلة عن الشركات الوطنية والجامعات والموردين المحليين.كما أن عددًا من الشركات الخاصة العربية لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق والمناقصات الحكومية، بدل بناء منتجات وخدمات تستطيع المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.لسنا بحاجة إلى تقليد آسيا حرفيًا، ولا يمكن نقل تجربة كوريا أو سنغافورة إلى بيئة مختلفة كما هي. لكن يمكن الاستفادة من منطقها: اختيار أولويات محددة، وبناء منظومة متكاملة حولها، وربط الدعم بالنتائج، وقياس النجاح بالإنتاجية والتصدير والمعرفة، لا بحجم الإنفاق وحده.فبدل توزيع الموارد على عشرات القطاعات، يمكن لكل دولة اختيار مجالات تملك فيها فرصة حقيقية للمنافسة، ثم توجيه التعليم والتمويل والبحث والبنية الأساسية لخدمتها.

من الإعجاب إلى الفعل

لا تكمن قيمة تجربة النمور الآسيوية في أن نكرر الإعجاب بها، بل في أن نحولها إلى أسئلة عن واقعنا.هل نريد اقتصادًا ينتظر ارتفاع أسعار الموارد، أم اقتصادًا يصنع منتجات يحتاج إليها العالم؟ هل نريد جامعات تمنح الشهادات، أم جامعات تبني المعرفة والتكنولوجيا؟ هل نقيس الاستثمار بحجم الأموال المعلنة، أم بما ينقله من معرفة وما يخلقه من شركات وطنية؟ وهل نريد قطاعًا خاصًا يعتمد على العقود الحكومية، أم قطاعًا ينافس في الأسواق الدولية؟لقد بدأت النمور الأربعة وأشبالها من أوضاع لم تكن أفضل من أوضاع كثير من دولنا. بعضها خرج من الحرب، وبعضها افتقر إلى الموارد، وبعضها واجه الانقسام والفقر والاضطراب. لكنها تعاملت مع التنمية باعتبارها مشروع دولة ومجتمع، لا سلسلة من المبادرات المنفصلة.وحين نسأل: أين نحن من النمور الأربعة وأشبالها؟ فإن الهدف ليس جلد الذات، ولا الادعاء أن كل ما فعلته تلك الدول قابل للتكرار. الهدف أن ندرك أن النهضة ليست سرًا ثقافيًا محصورًا في شعب أو قارة، بل نتيجة قرارات ومؤسسات وتعليم وعمل واستمرارية.لقد وضعت تلك الدول الإنتاج قبل الاستهلاك، والجودة قبل المجاملة، والتعليم قبل الشهادة، والتصدير قبل الاكتفاء بالسوق المحلية، والمستقبل قبل إغراءات العائد السريع.وهذا هو الدرس الذي يستحق أن نتوقف عنده ونحن نتابع اجتماعات آسيان ومكانتها المتنامية؛ فالقوة السياسية لا تنفصل عن القوة الاقتصادية، والمكانة الدولية لا تصنعها البيانات وحدها، بل تصنعها المصانع والمختبرات والمدارس والموانئ والشركات القادرة على المنافسة.والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمامنا ليس: لماذا سبقونا؟ بل: ما الذي يمنعنا من أن نبدأ، وأن نبني تجربتنا الخاصة، وأن نتحول من الإعجاب بالنمور إلى صناعة نهضة تستحق أن يتعلم منها الآخرون؟


مشاهدات 72
الكاتب جاسم الشيخ
أضيف 2026/09/12 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/09/13 - 6:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 422 الشهر 20994 الكلي 16553514
الوقت الآن
الأحد 2026/9/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير