قلْ لي ماذا قدمتْ ؟
محمدُ خضيرِ الأنباريِ
حينَ يسألُ الإنسان: منْ أنت؟ فإنَ الجوابَ الحقيقيَ لا ينبغي أنْ يكونَ قائمة طويلة منْ الأسماءِ والأنسابِ والعلاقات، فلا قيمةً لقولِ المرء: أنا ابن فلان، وابن عمّ فلان، وصديق الشيخِ الفلاني، أوْ أنَ رجلَ الدينِ الفلانيِ زارَ بيتي مراتٍ عديدة، فهذهِ أمور قدْ تمنحُ صاحبها مكانة اجتماعية مؤقتة، لكنها لا تصنعُ إنسانا عظيما، ولا تبني وطنا، ولا تتركُ أثرا خالدا في حياةِ البشر.
إنَ السؤالَ الأهمَ ليس: منْ تعرف؟ بل: ماذا، فعلت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا أضفت إلى حياةِ الناس؟ ما العلمُ الذي تعلمتهُ ونفعَ بهِ غيرك؟ وما الكتابُ الذي ألفته؟ وما الفكرةُ التي نشرتها؟ وما المشروعُ الذي أقمته؟ وكمْ فقيرا أعنت؟ وكمْ مريضا ساعدت؟ وكمْ شابا فتحتْ لهُ باب الأملِ والعمل؟ فالإنسانُ يقاسُ بأعمالهِ لا بعلاقاته، وبإنجازاتهِ لا بألقابٍ منْ حوله. والتاريخُ لمْ يخلدْ العلماءُ والمفكرونَ والمبدعون؛ لأنهمْ أبناءُ عشائرَ كبيرةٍ أوْ أصحابُ معارفَ نافذين، بلْ لأنهُ وجدا فيهمْ قيمةً حقيقيةً قدموها للبشرية.
عندما نقرأُ عنْ كبارِ العلماءِ الذينَ غيروا وجهَ العالم، لا نسألُ عنْ أسماءِ أبناءِ أعمامهم، ولا عنْ عددِ الشيوخِ الذينَ عرفوهم، بلْ نتذكرُ اكتشافاتهمْ واختراعاتهمْ وأبحاثهمْ التي أنقذتْ ملايينَ الأرواح، ودفعتْ الحضارة إلى الأمام.
علاقات واسعة
إنَ جوائزَ العلمِ العالمية، وفي مقدمتها جائزةُ نوبل، لا تمنحُ لمنْ يملكُ شبكةَ علاقاتٍ واسعة، بلْ لمنْ يقدمُ للبشريةِ إنجازا يستحقُ الاحترامَ والتقدير، لقدْ تقدمتْ الأمم حينَ جعلتْ معيارَ التفاضلِ هوَ العملُ والعلمُ والإبداع، لا النسبُ والقرابةُ والتفاخرُ بالأسماء، فالعالمِ هناكَ يعرفُ نفسهُ بما أنجزهُ في مختبره، والطبيبِ بما قدمهُ لمرضاه، والمهندسِ بما شيدهُ منْ مشاريع، والكاتب بما خطهُ منْ فكرٍ ومعرفة.
أما المجتمعاتُ التي تنشغلُ بالألقابِ والعلاقاتِ أكثر منْ الإنجازات، فإنها تستهلكُ طاقاتها في المظاهر، وتنسى الجوهر. نحنُ بحاجةٍ إلى ثقافةٍ جديدةٍ تقولُ للإنسان: حدثنا عنْ علمك، لا عنْ أقاربك، حدثنا عنْ مشروعك، لا عنْ مكانةٍ منْ تعرفهم، حدثنا عنْ أثرك في المجتمع، لا عنْ عددِ الشخصياتِ التي جلستْ معها، فالأوطانُ لا تبنى بالمجاملات، بلْ تبنى بالعقولِ والسواعدِ والإخلاصِ والعمل.
إنَ أعظمَ تعريفٍ للنفسِ هوَ أنْ يكونَ للإنسانِ أثرَ نافعٌ بعدَ رحيله، فإذا ذكرَ اسمهُ قيل: هذا علمُ الناس، وهذا عالجَ المرضى، وهذا بنى مدرسة، وهذا ألفَ كتابا، وهذا ابتكرَ حلا لمشكلة، وهذا خدمَ وطنهُ بإخلاص، عندها يصبحُ الاسمُ مرتبطا بالعطاءِ لا بالادعاء، وبالإنجازِ لا بالاستعراض، لذلك، عندما يسألك أحدهم: منْ أنت؟ فليكونْ جوابك في أعمالك قبلَ كلماتك.
دعْ إنجازاتك تتحدثُ عنك، واتركْ للناسِ أنْ ذكروك بما قدمتْ لا بمنْ عرفت، فهكذا تصنعُ القيمة الحقيقية للإنسان.