شخصيات من بلادي.. زها حديد
معمارية عراقية رسمت ملامح المستقبل
صالح رضا
حين يُذكر اسم العراق في المحافل الثقافية والعلمية والفنية، يبرز اسم زها حديد بوصفه واحدًا من أكثر الأسماء إشراقًا في العالم. فقد استطاعت هذه المعمارية العراقية أن تنقل فن العمارة من حدود الوظيفة التقليدية إلى فضاء الإبداع، حتى غدت مبانيها تحفًا فنيةً تدهش العالم وتُدرَّس في كليات الهندسة والعمارة.
ولدت زها حديد في بغداد عام 1950، في أسرة عُرفت بالثقافة والانفتاح. وكان والدها محمد حديد من الشخصيات الاقتصادية والسياسية البارزة في العراق، إذ شغل منصب وزير المالية، وأسهم في بناء الدولة العراقية الحديثة. وفي هذا المناخ الثقافي نشأت زها وهي تؤمن بأن المعرفة والإبداع هما الطريق إلى صناعة المستقبل.
درست الرياضيات، ثم انتقلت إلى دراسة الهندسة المعمارية في لندن، وهناك بدأت رحلة طويلة من التحدي. لم تكن تؤمن بأن المبنى مجرد جدران وسقف، بل كانت ترى أن العمارة فن يلامس الإنسان ويمنحه إحساسًا بالحركة والحرية والجمال. ولهذا جاءت تصاميمها جريئة، تنساب خطوطها كما تنساب مياه الأنهار، حتى لُقبت بـ(ملكة المنحنيات).
في بداياتها قوبلت أفكارها بالاستغراب، لأن العالم لم يكن قد اعتاد تلك التصاميم المستقبلية، لكن زها لم تتراجع. كانت تؤمن بأن كل فكرة عظيمة تواجه الرفض قبل أن تتحول إلى حقيقة، ومع مرور الزمن أصبحت أعمالها من أشهر المعالم المعمارية في العالم. صممت عشرات المشاريع في مختلف القارات، ومن أشهرها مركز حيدر علييف في أذربيجان، الذي يُعد من أجمل المباني المعاصرة في العالم، ودار أوبرا غوانغجو في الصين، ومركز لندن للألعاب المائية الذي استضاف منافسات أولمبياد لندن عام 2012، ومتحف MAXXI للفنون المعاصرة في العاصمة الإيطالية روما، إضافة إلى مشاريع ضخمة في النمسا وألمانيا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية ودول أخرى. ولم تنسَ وطنها العراق، فكان من أهم أعمالها تصميم البنك المركزي العراقي في بغداد، ذلك الصرح الذي يجسد رؤيتها المعمارية الحديثة، ليكون رمزًا لقدرة العراق على مواكبة التطور العمراني العالمي.
وفي عام 2004 حققت إنجازًا تاريخيًا عندما أصبحت أول امرأة في العالم تنال جائزة بريتزكر، وهي أعلى جائزة عالمية في الهندسة المعمارية، ثم نالت لاحقًا الميدالية الذهبية الملكية للمعهد الملكي البريطاني للمعماريين، لتكون أيضًا أول امرأة تحصل عليها منفردة، فضلاً عن عشرات الجوائز والأوسمة الدولية التي كرّست مكانتها بوصفها واحدة من أعظم معماريي العصر الحديث. كانت حديد تؤمن بأن الخيال هو البداية الحقيقية لكل إنجاز، وكانت تقول إن العمارة يجب أن تمنح الإنسان إحساسًا بالدهشة قبل أن تمنحه المأوى. لذلك لم تكن مبانيها كتلًا صامتة، بل أعمالًا فنية نابضة بالحياة، تتغير ملامحها مع الضوء والظل، وتمنح كل مدينة هوية جديدة.
رحلت حديد عام 2016، لكن أثرها بقي حاضرًا في مدن العالم، من بغداد إلى لندن، ومن روما إلى بكين، شاهدةً على عبقرية عراقية استطاعت أن تجعل اسم وطنها حاضرًا في أهم العواصم العالمية. لقد أثبتت حديد أن الإبداع لا يعرف حدودًا، وأن العراق، أرض الحضارات الأولى، ما زال قادرًا على أن يُهدي العالم عقولًا استثنائية تترك بصمتها في تاريخ الإنسانية. وستبقى حديد واحدة من أعظم الشخصيات العراقية التي رفعت اسم بلادها عاليًا، وكتبت تاريخها بخطوط من الخرسانة والزجاج، لكنها في حقيقتها كانت تكتب قصيدةً خالدة عنوانها: الجمال لا وطن له، لكنه يبدأ من وطن.