من الذي ينتصر حقاً؟
عدنان العابد
في الثامن من آب 1988م، أسدل الستار على واحدة من أطول الحروب في تاريخ المنطقة، حربٍ امتدت ثماني سنوات، وكتبت سطورها بالدم والدموع قبل أن تُكتب بالحبر في صفحات التاريخ.. ويستذكر العراقيون هذا اليوم بوصفه يوم النصر العظيم، فيما تستعيد الذاكرة صور الضباط والجنود الذين غادروا إلى الجبهات، فمنهم من عاد حاملاً وسام الشجاعة، ومنهم من عاد محمولاً على الأكتاف، ومنهم من بقي اسماً تتلوه الأمهات في الدعاء إلى أن يعود سالمآ غير أن الزمن يفرض سؤالاً لا يغيب: من الذي ينتصر حقاً في الحروب؟
فعندما تتعدد الحروب، وتتعدد معها أيام النصر، تتشابه النهايات؛ أمٌ ثكلى ما زالت تنتظر صوتاً لن يعود، وطفلٌ كبر يتيماً لا يعرف ملامح أبيه إلا في صورة باهتة، وزوجةٌ علقت عمرها على باب بيت لم يطرقه الغائب مرة أخرى، وقلوب تهفو لسماع خبر من جبهات القتال أما المدن، فتتعلم كيف تخفي وجعها خلف جدران أعيد بناؤها، فيما تبقى الندوب محفورة في ذاكرة من عاشوا أهوالها ويتناقلوها جيلا بعد جيل كقصص الف ليلة وليلة مع الفارق. لقد علمتنا التجارب أن إعلان النصر قد يملأ الساحات بالحماس والهتافات، لكنه لا يملأ المقاعد الفارغة على موائد العائلات.. ولا يعيد إلى الأمهات أبناءهن، ولا إلى الأطفال آباءهم، ولا يمحو سنوات الخوف والانتظار ،ولعل الغائب يعود ..ولكنه ماعاد. إن التاريخ يدوّن أسماء المعارك، لكن ذاكرة الشعوب تحفظ أسماء الضحايا.. فبين صفحات التاريخ قد يُكتب أن هذا انتصر وذاك انهزم، أما في صفحات الحياة، فإن الخاسر الأول هو الإنسان حين يدفع من دمه ومستقبله ثمن صراعات لأناقة له فيها ولا جمل. ولذلك، فإن ذكرى الثامن من آب ليست مناسبة لاستحضار الحرب بقدر ما هي مناسبة لاستحضار السلام، والوفاء لمن رحلوا، والتأكيد أن أعظم انتصار يمكن أن تحققه الأوطان ليس انتصار المدافع، بل انتصار الحياة، حين يعود الأب إلى أطفاله، ويعود الابن إلى حضن أمه، ويعيش الناس آمنين على أرضهم. رحم الله جميع الشهداء، وجبر قلوب الأمهات الثكالى، وحفظ العراق وأهله من كل حرب، وجعل المستقبل أكثر رحمة من الماضي، وأكثر بناءً من الهدم، وأكثر حياةً من الموت. رحم الله شهداء العراق جميعآ واسكنهم فسيح جناته.