مشاهدات من العراق (1)
حُصنّ الأخيضر أروع المعالم الإسلامية الآثارية
قلعة وتحفة معمارية تم تشييدها في العصر العباسي
رعد أبو كلل الطائي
يقع قصر الأخيضر أو حُصنّ الأخيضر، وهو من أبرز المواقع التأريخية والآثارية والسياحية في محافظة كربلاء المُقدسة، في صحراء كربلاء على بُعد 50 كم جنوب غرب مركز المدينة، وبالقرب من بُحيرةالرزازة وبنحو 192كم عن بغداد، ويعود تأريخ بنائه إلى العصر العباسي، ( القرن الثامن الميلادي )، ويُعتقد إنه يعود لعهد عيسى بن موسى الرفاعي عام 775 ميلادي، ويتميز بتصميمه الدفاعي الفريد، وهو حُصن منيع مستطيل الشكل ويتسمُ بالضخامة والهندسة الفريدة، ويُعتبر من أهم وأعظم وأروع المعالم الإسلامية الآثارية في العراق والعالم، وهو مركز سياحي وآثاري وتأريخي جذاب، ومُهم في الشرق الأوسط، وتعللّ تسميته بهذا الأسم لأخضرار الأرض القائم فوقُها .
يتمثل ثُلث أرض قصر الأخيضر، حُـصنٌ مساحته 25000 متر مربع، ويتميزّ بتصميمهِ الدفاعي المنيع، ومساحتهُ الواسعة، تضُمُ، قاعات وساحات ودهاليز، ومسجداً يحتوي على محراب صغير في كل من جانبيهِ، وحرمهُ بلاطة، وهذا المسجد جُزءاً أصيلاً من بناء القصر، وهندستهُ مزيجاً رائعاً من الفنون الإسلامية، ويروي قصة التطور العمراني والدفاعي في العصور الإسلامية الأولى، مما يجعلهُ من أجمل العمارة الإسلامية، إن الرأي الأرجح والأكثر قبولاً لدى المؤخرين مثل ( كريسوبيل )، إن باني قصر الأخيضر يعود إلى عهد عيسى بن موسى، أبن أخ الخليفة العباسي الأول السفاح وأبن عم الخليفة المنصور، ليكونَ حُصناً صيفياً للصيد، ويرى آخرون، إن الحُصن بُنيَّ في العصر الأموي، أو إنه يعود إلى حُقبة ساسانية سابقة، ووجود المسجد، ينفي ما يُقال إن تأريخ تشييدّ القصر يعودُ إلى أزمنة تسبق الفتح الإسلامي في العراق، ولقد جمع القصر في عمارتهِ بين الأساليب الريازة الساسانية والبيزنطية، ومن أشياء لم تكُن معهودة قبل الإسلام، فمشكياتهِ ونوافذهِ وزخرفتهِ قريبة الشبه بما في مبنى طاق كِسرى، وتيجان أساطينه المنحوتة من المرمر منقوشة بزخرفة بيزنطية الأسلوب قوامُها ورق شجر، ويُعدُ القصر أحسن بناء عربي قائم تتجلى فيهِ عظمة العمارة الإسلامية الأولى، وهو قصر واسع منيف متعدد الأجزاء والمرافق، وبقيت معالم القسم الأكبر من أجزائهِ قائمة، مما سهلَ أمر صيانته وترميمهُ، وجعلهُ من الأماكن السياحية الآثارية الشهيرة، وشُيدَ القصر بالحجر والجص والآجر، مما يجعلهُ من أجمل العمارة الإسلامية .
صباحٌ صيفٌ
قصدتُ حُصن الأخيضر في جولةٍ سياحية مع عددٍ من اصدقائي، في صباحٍ صيفيٍ بعد أن أجرنا سيارة تكسي من مرآب علاوي الحلة، وأتجهنا صوب مدينة كربلاء المقُدسة أولاً، والتي تبعُد عن العاصمة بغداد قُرابةَ ساعة وربع الساعة تقريبأ، وعند وصولنا مركز محافظة كربلاء المقُدسة، سلكنا وجهتنا نحو الحُصن، وهو نفس الطريق الذي يوصلنا إلى بحيرة الرزازا، فالحُص قريب جداً من البحيرة، وكانت القوافل تتخذ الحُصن ملاذاً لها كونه يقع على طريقها التجاري للذهاب والأياب نحو بلاد الشام، وقبل الوصول إلى مفترق طريقين احدهُما يذهب بالمسافر إلى مدينة الرمادي، والثاني إلى الحدود السعودية، ولاح َ أمام أعيُنُنا، صرحٌ شامخٌ لبناء آثاري، لاشيء يمتد إليهِ سوى طريق مُعبد من أتجاهٍ واحدٍ تحيطهُ الرمال، وكان في يومٍ ما طريقاّ للتجارة والحج والحروب أيضاً، البناء مُدهش كأنهُ مُهيأً لكي يبقى عصوراً ودهوراً شامخاً في بنائهِ المُحكم، من خلال قوة صمودهِ بوجه الصحراء وعواصفِها، وريحِها العاتية، وقد ظلَ مُتميزاً بضخامتهِ وتفردَهُ بفن البناء المعماري، وسقوفه التي نُقشت نقشاً بارعاً.
بقية الخبر على الموقع الالكتروني لجريدة (الزمان)
وبجدرانه العملاقة وعلوها الفارع، شكلهُ مربع كامل، لهُ 13 بُرجاً مُدوراً من كل جانب من الخارج، بعضُ أقسامهِ مُشيدةً على أقواسٍ معقودةٍ، وفي داخل البناء قاعات عديدة، وغُرف بمنافذ كثيرة، وفناء غير كبيرٍ، وتقول الباحثة نعمة إسماعيل أعلام، في كتابها (فنون الشرق الأوسط والعالم القديم)، أن حركة العمارة المدنية نشطت نشاطاً كبيراً في العصر العباسي الأول، إذ أهتمَ الخلفاء بتشييدّ قصور لهم في المدن التي أنشؤوها، فأُقيمَ قصر الأخيضر غرب كربلاء، وتؤكد بتميُزّ كافة هذه القصور، بمتانة عمارتها وبوسائل الرفاهية المزودة بِها، كالحمامات والحُجرات، كما زُخرفَ بعضها بالتصاوير الجدارية، وكُسيتّ بالزخارف الجصية، ولقد وجدتّ بين هذه الزخارف بالذات، مما يؤكد أن القصر من البناء العباسي، وفقاً للطرز المعمارية والهندسية، ويبدو كما يقول الباحث الوزني : أن القصر مرَ بتطورات عمرانية كثيرة وهذا يدُلُ على أن الحياة الطبيعة استمرت في هذا القصر والمنطقة المُحيطة به لعدة قرون متواصلة، إلى أن حلَ الجفاف في المنطقة فهجرهُ الناس، وعلى الرغم من كل ذلك فإن أحداً لم يتمكن من تحديد مَنّ صممَ ونفذَ وخطَطَ لهذا القصر والحُصن، وأمرَ ببنائه بشكل قاطع، لكن الشيء المُدهش أن الجميع، من مسافرين وحجاج وقوافل ورحالة باحثينَ عن الجديد، يُدهشهم هذا البناء، ويُٕحير أبصارهم، ويُثير فضول الجميع الذين أخذوا يبحثون عن حقيقتهِ ولغز وجوده، والشيء المؤكد الذي يفتخر به العراقيون، أن هذا الحُصن بنتهُ أيادٍ عراقيةٍ عربيةٍ أستمدتّ تصميمهُ من التُراث الأكدي القديم .
أصل التسمية
وأصل تسمية الأخيضر، هُناك عدة آراء متضاربة أختلف فيها الكثير من الباحثين والمؤرخين منها رأي محمود شكري الآلوسي، والذي يقول : بأن كلمة الأخيضر مُحرفة من الأسم ( الأكيدر)، وهو أسم في صدر الإسلام، أما الباحثة غريتر ودبيل التي زارت الموقع عام 1909م فتقول : بأنهُ من الأبنية الإسلامية التي شُـيدتّ في عصر الدولة الأموية، وعرفتهُ بموقع (دومة الحيرة) ، وأتفقَ معها كل من أوسكار ورويتر وهرتسفليد وموزيل وكريسويل بأنهُ من الأبنية الإسلامية وخالفوها في نسبته إلى العصر الأموي، أما الرأي الأخير والأصوب هو الذي ذهب أليهِ كريسويل إلى أحتمال ان الذي شيدَ هذا الحُصن هو عيسى بن موسى عم الخليفة العباسي المنصور .
أعمال صيانة وتأهيل
شَهِدَ حصن الأخيضر في الأونة الأخيرة أعمال صيانة وتأهيل، وأصبحَ بُحلةٍ جديدة تليقُ بأهميتهِ التأريخية والحضارية، وشملت أعمال الصيانة التي نفذها القسم الهندسي في مقر وزارة الثقافة والسياحة والآثار والهيئة العامة للآثار والترفيه وتطوير المواقع الآثارية، تنفيذ صيانة شاملة للجدران وإعادة تشييد الجامع، وإنشاء السياج الخارجي، فضلاً عن تنظيم مسارات الزائرين وتهيئة جلسات مخصصة للعوائل، زيادةً على تأهيل بناية المراقبية بشكل كامل، وإن كافة هذه الأعمال تهدف برمتها، إلى تنشيط الحركة السياحية، وتعزيز الهوية التأريخية في العراق .
بقيَ أن أقول :
لقد عُثِرَ في خندق الحُصن على مجموعة من كسر الزجاج، قسمٌ منهُ دقيق الصنع، شفاف أزرق اللون، ظهرت بعدَ الدراسة أنها تعودُ إلى القرنين الثاني والثالث الهجرية، والذي يقابلهُ الثامن والتاسع الميلادية، كما عُثرَ على مسكوكةٍ نُحاسيةٍ فوق تبان الغرفة، ظهرت أنها تعودُ للخليفة العباسي المستنصر بالله .
وهناكَ على بُعد خمسة الآف متر في منطقة كانت تسمى (دومة الحيرة) من قصر الأخيضر، توجد كنيسة الأقيصر التي يعود تأريخ بنائِها إلى القرن الخامس الميلادي، وتتميزّ بوجود كتابات آرامية، فضلاً إلى إن المذبح يتجه نحو القُدس، ومن الجنوب منها هناكَ مدخل صغير يؤدي إلى ثلاث حُجرات، تُجرى في إحداها مراسيم التعميد والأخرى تسمى بيت الشماسة، وفيها يرتدي القسيسيون والرهُبان لِباسهم الديني، ولقد بنى هذه الكنيسة المسيحيون من الطائفة النسطورية الثائرون على الكنيسة البيزنطية، ووجدوا مأمنهم وممارسة حرية طُقوسِهم وعباداتِهم في ظل دولة المناذرة (اللخميين)، التي كانت خاضعة للدولة الساسانية، وكانت تُدين بالمسيحية .