الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ممارسات جيش الإحتلال.. اليوم العالمي للقضاء على العنف الجنسي خلال الحروب

بواسطة azzaman

ممارسات جيش الإحتلال.. اليوم العالمي للقضاء على العنف الجنسي خلال الحروب

حسن عبيد عيسى

 

على كم هائل من مخلفات إرث مفعم بالألم والسوء الناجم عن ملايين عمليات الإغتصاب التي شهدتها الحروب عبر التاريخ، تربّع مؤرخون وقانونيون مساهمون في كتابة القانون الدولي، ليستحدثوا تشريعاً يدخل ضمن لوائح القانون الدولي ،يعالج حالات الإغتصاب في الحروب والنزاعات التي تعكر صفو العالم.

وكان حصيلة ذلك ،أن عُدّ يوم التاسع عشر من حزيران /يونيو من كل عام يوماً عالمياً للقضاء على العنف الجنسي في النزاعات ،وهو ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها /293/69 لسنة 2015.وتضمن القرار التوعية الهادفة الى القضاء على هذه الممارسة العدوانية، وتكريم الناجين من ضحايا ذلك النوع البشع من العنف ،إضافة الى دعم وتعزيز جهود الدول الساعية الى القضاء أو الحد من هذه الظاهرة الخادشة للضمير الإنساني.

ولخطورة هذه الممارسة المقززة ،فقد صار للأمم المتحدة تراث فخم في هذا المجال  تضمنتها وثائق عديدة منها قراراتها 1325 لسنة 2000و1820 و1880 لسنة 2006 إذ عد هذا النوع من العنف مما «لا يجب النظر اليه كأمر عارض ،بل كتهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين ،مما يستوجب المساءلة والعدالة».

نزاعات عديدة

لقد توقف كثير من المهتمين بشأن الحرب أمام هذه الظاهرة ،يرغبون في معرفة دوافعها وأسبابها ،ومن بين أبرز من درسوها ،أستاذ علم النفس الألماني توماس البرت ،الذي بحث حالات الخروج على معايير الحرب في مناطق نزاع عديدة منها أفغانستان والصومال وسواها.. وعندما حاول فهم دواعي الاغتصاب ،فإنه خرج باستنتاج ليس بالضرورة أن يقتنع به كل من اطلع عليه ،فهو يقول بعد أن إستنطق عدداً من الجنود مرتكبي تلك الفظاعات ،بإن غض الطرف من قبل قادتهم شجعهم على ذلك الفعل ،ثم أن الجندي الذي بذل جهداً بدنياً عنيفاً متمثلا بالفعاليات القتالية ،قد يبحث عن ساعة تسلية وترفيه ،فيلجأ الى الإغتصاب..

نرى أن السبب الأكثر قبولاُ وإقناعاً ،هو تغلغل الروح العدوانية في دواخل الجنود المؤدلجين ،إذ أنهم يشعرون بالرغبة في إذلال الطرف الآخر مما يدخل اللذة في نفوسهم. والدليل أن أكبر واقعة للإغتصاب سجلها المؤرخون ،هي التي حصلت بعد إنهيار آخر دفاعات المانيا النازية ودخول الحلفاء الى حواضرها وفي مقدمتها العاصمة برلين ،فثمة إحصائيات وإن إختلفت في الأرقام التي تضمنتها الا أن السائد ،هو قيام الجنود الأميركان بإغتصاب 190 الف فتاة وإمرأة المانية ،أما الإنكليز الذين لم نقف على عدد الآلاف اللاتي إغتصبوهن ،فإن الأكثر سوءً في أمرهم هو أن القس الأكبر للجيش البريطاني قال مستحسنا الفعل البشع لجنوده: «هن يستحقن ذلك» !!... أما الفرنسيون فيزعم مؤرخ منهم ان جنودهم إغتصبوا حوالي الف المانية.

الكم الهائل من ضحايا الإغتصاب في تلك الواقعة هو ما يُنسب فعله الى الجنود السوفيت، إذ يُقدر عدد ضحاياهم بمليوني المانية ،فهم لم يستثنوا حتى الأطفال اللاتي بعمر الثامنة. ربما يؤكد هذا الأمر الرغبة في الإنتقام لدواع آيديولوجية مما لم يكن قائماً في حالات بقية الحلفاء الغربيين ،الأمر الذي ضاعف أعداد من اغتصبهن السوفيت على ما نرى. وعندما عُرض الأمر على ستالين فإنه برّر ذلك بقوله :لابد من تفهم حالة الجندي الذي قطع آلاف الكيلومترات في بحر من الدماء والنار والموت ،فإنه بحاجة الى التسلية مع امرأة لبعض الوقت . فزعيم الشيوعية العالمية ،لم يراع هنا الوضع النفسي للنساء اللواتي يتسلى بهن جنوده ،ولا العواقب المترتبة على تلك (التسلية) من أمراض نفسية تصيب النساء المعتدى عليهن ،وما يتمخض عن تلك الأفعال من تكوّن أجنة غير شرعية تقبع في أرحامهن وعدا عن تلك العواقب ما هو كثير.

بعد كل هذا السوء والشر المتراكم عبر تاريخ الحروب ،وعلى الرغم من التطور الثقافي والفكري ،وأن هنالك لائحة ضمن القانون الدولي تدين وتجرّم الإغتصاب في الحروب ،نجد أن جنود جيش الإحتلال الصهيوني الذي يحاول قادته العسكريون والسياسيون إشاعة فرية أنه الجيش الأرقى سلوكاً والأكثر أخلاقاً في العالم..يعمدون الى أبشع أنواع الإغتصاب والعنف الجنسي في حالات بعيدة عن أوقات الفعل القتالي ،أي في أوقات الهدوء والراحة ،فهم هنا كمن يقتل بدم بارد، فقائمة ضحايا هؤلاء تضمنت أعداداً كبيرة من الرجال والأطفال عدا النسوة ،وأن أكثر أفعالهم تمت خارج أوقات الفعاليات القتالية كما أشرنا آنفاً..وإن هؤلاء الذين طغى شرّهم إغتصبوا حتى الرجال ،وبشكل جماعي ومتكرر أحياناً أدى الى وفاة بعض الضحايا.

حالات معدودة

فهذا الجيش المهووس بالجنس ،حتى بين أفراده ،إذ أن حالات الممارسات الجنسية المدانة بين القادة ومن هم بإمرتهم من مجندات لم تعد حالات معدودة ونادرة ،ولعل إقالة الجنرال شومر مدير قسم العمليات في رئاسة الأركان في مايو المنصرم ، لتحرشه بمجندة تعمل في مكتبه ،وإن هناك إحصائية تؤشر الى أن 40بالمئة  من جنوده مثليين ،دليل على ذلك.

ربما أمسكت الفلسطينيات عن البوح بجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي التي وقعت عليهن  بسبب الحياء المجبولة عليه المرأة العربية والمسلمة ،والموانع الإجتماعية ،وإن حالات إغتصاب الذكور من الأسرى مما لم يعد بمقدور الساسة وقادة الجيش التعتيم عليها ،صار من الأمور المعروفة من قبل كل أحرار العالم. ولقد فضتحها شخصيات عالمية عديدها في مقدمتها فرانشيكا البانيزي مقررة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ،والجرّاح البريطاني نيك ماينارد التدريسي في جامعة أوكسفورد والذي خدم متطوعاً في قطاع غزة وأفضى بما شاهد الى المذيع الأميركي الأشهر تاكر كارلسون ،إذ ذكر هذا الطبيب أن الجنود الصهاينة كانوا يغتصبون عناصر الكادر الطبي الذين في السجون ،أما ما وقع لطبيب كسور فلسطيني شهير فهو الأكثر مأساوية على وفق وصف الطبيب البريطاني ، إذ أنهم داوموا على إغتصابه طوال إسبوعين حتى أسلم الروح ثم قاموا بإخفاء جثته .وجاءت شهادة هذا الطبيب الإنكليزي الذي لا ينتمي الى إي من أطراف الصراع ، مطابقة تماماً لما ورد في شهادة الموظفة الأممية فرانشيسكا البانيزي.

ناهيك عما أفصحت عنه الناشطات المشاركات في أسطول الصمود القادم لدعم أهالي غزة ووقعن في أسر جنود جيش الاحتلال في عملية قرصنة مشهودة. ومن تلك الناشطات سيدة روت ماروّع العالم عن طريقة إغتصابها من قبل جنود نتنياهو ،الا وهي الناشطة الأسترالية جيما أوتول التي رغم كل الذي تعرضت له ،قالت «ما حصل لي لا يساوي شيئاً مما تعرض له الفلسطينيون»..ومثل شهادتها شهدت الفرنسية ماريام هادال . وغيرهن كثيرات.فيما عرضت قضية أسير فلسطيني حشر جند الإحتلال جهاز هاتف نقال في مؤخرته وراحوا يتصلون بالجهاز بينما كان الفلسطيني يتعذب فإنهم غرقوا في موجة من الضحك والإستهزاء ليشبعوا ساديتهم وشذوذهم .

ثم أزاح تحقيق إستقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الستار عن كل ذلك وغيره من المصائب المخفية عن الأنظار ،مما خلق موجة هستيريا تركب نتنياهو ،فبادر الى الطلب الى مستشاريه القانونيين بإعداد لائحة شكوى ضد الصحيفة الأميركية التي أصرت على الثبات على موقفها ورأيها المتمثل بذلك التحقيق ،ليأتي عقب ذلك الإجراء الحاسم المتمثل بقيام الأمم المتحدة بإضافة هذا الكيان الى القائمة السوداء التي تتضمن أسامي الدول التي تمهن الإغتصاب والإعتداء الجنسي خلال الحروب والنزاعات المسلحة.

وفيما يلي حيثيات قرار الأمم المتحدة التي تضمنها تقرير الأمين.

 العام  أنطونيو غوتيريش لسنة 2026 والمرفوع الى رئاسة مجلس الأمن الدولي :

*شَخَّص التقرير عدداً من حالات العنف الجنسي المرتكبة خلال العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، والتي مورست في كثير من الأحيان كأداة من أدوات التعذيب، إذ جرى التحقق من وقوع ذلك الفعل على 31 ضحية من قطاع غزة والضفة الغربية، من بينهم 14 رجلاً، و7 نساء، و9 أطفال ذكور، وطفلة واحدة .

*شملت الإنتهاكات الموّثقة عمليات إغتصاب فردي وإغتصاب جماعي متكرر، وإعتداءات جسدية مباشرة وإطلاق نار متعمد على الأعضاء التناسلية، بالإضافة إلى التحرش، والتفتيش العاري والمهين دون أية مبررات أمنية، والإجبار على التعري .

*أكد التقرير إصابة عدد من المعتقلين بنزيف حاد في المستقيم ،وتورمات إستمرت لأسابيع نتيجة تلك الإعتداءات، مع تعمد حرمان المصابين بتلك الحالات من الرعاية الطبية الأساسية، وتعمد تصوير بعض حالات الإغتصاب فوتوغرافياً وفيدوياً.

*حدد التقرير أماكن وقوع تلك الإنتهاكات التي وقعت أثناء عمليات الإحتجاز والإستجواب في مواقع عسكرية عديدة، من أبرزها معسكر «سديه تيمان» ومركز إحتجاز عتصيون، إلى جانب عدة سجون تابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية وهي: دامون ومجيدو، والشارون وعوفر، ونفحة والرملة، ، وشطة، بالإضافة إلى مراكز الشرطة ومعتقلات ميدانية وحواجزعسكرية بالضفة الغربية .

*تضمن التقرير الإشارة الى انتهاكات شملت فئات مختلفة منهم صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، مع التنويه بأن غياب الرقابة شجع على استمرار هذه الممارسات؛ فلقد ساق التقرير مثالاً بإلغاء جميع التهم الجنائية في آذار 2026 والتي سبق وإن وجهت إلى خمسة من جنود الإحتياط التابعين لـ «القوة 100» والمتهمين بالإعتداء الجنسي الجماعي على معتقل في سديه تيمان، رغم وجود توثيق طبي وتقارير تفصيلية وشريط فيديو يثبت الواقعة.

*أشار التقرير إلى أن السلطات الإسرائيلية واصلت منع وصول المفتشين والمحققين التابعين للأمم المتحدة إلى منشآت الإحتجاز داخل إسرائيل وقطاع غزة، إلى جانب توثيق إتهامات مباشرة وجهتها القوات الإسرائيلية للمعتقلين لمنعهم من الإبلاغ عن حالات سوء المعاملة.

*كما أوضح أن الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، براميلا باتن إضطرت الى الغاء زيارة ثانية لإسرائيل كانت مقررة ،إذ رفضت السلطات طلبها بالوصول إلى المنشآت التي يُحتجز فيها الفلسطينيون.

*أما فيما يتعلق بالمزاعم المرتبطة بوقوع إنتهاكات جنسية بحق المحتجزين الإسرائيليين بناءً على شهادات منسوبة الى ستة من المُفرج عنهم في صفقات تبادل عام 2025، فقد أكد التقرير أن الأمم المتحدة لم تتمكن من التحقق من صحة هذه الشهادات أو تأكيدها بصورة مستقلة، نظراً لأن إسرائيل رفضت السماح للهيئات والأجهزة الأممية المختصة بالوصول الميداني لأصحاب تلك الشهادات ،وإجراء التحقيقات اللازمة لتوثيق تلك الإدعاءات.

وضمن عملية تكميم الأفواه وكتم الصرخات الشريفة التي يمارسها نتنياهو والتي كانت الملاحقة القضائية لصحيفة نيويورك تايمز حلقة منها ،فإنه رأى أن يكون الإجراء مع الأمين العام للأمم المتحدة شديداً ،فقد أصدر أوامره بمعاقبة مكتب الأمين العام من خلال مقاطعته طوال ولاية الأمين العام الحالي غوتريش . ومع ذلك فإن الأمم المتحدة ظلت تنتظر موقفاً إيجابياً من الكيان الذي لم يعبأ بالأمر ،وهو ما عبّرت عنه براميلا باتن المسؤولة الأممية عن القائمة السوداء. فيما واصلت منظمات حقوقية ،ومعنية بحقوق الإنسان مواصلة رصد وتسجيل المستجد من حالات الإغتصاب والعنف الجنسي الممارس بحق الفلسطينيين.

إن الملاحقة القضائية التي أوعز بها نتنياهو لمقاضاة صحيفة نيويورك تايمز..وقيامه بإجراء غريب من نوعه وغير مسبوق ،هو معاقبة الأمين العام للأمم المتحدة متمثلة بمقاطعة مكتبه ،وما تعرضت له الموظفة الأممية البانيزي من مضايقات وصلت الى حد تهديدها بإغتصاب إبنتها .. يؤكد ما ذهبت اليه منظمة صحفيات بلا قيود من أن العنف الجنسي في النزاعات هو «قرار واعي تتخذه أطراف مسلحة لتكريس السيطرة والهيمنة والتطهير الرمزي ،وحين يترافق ذلك مع الإفلات من العقوبات فإن النتيجة تكون مضاعفة : مجتمع مكسور وضحايا في الظل ،وثقافة تشرعن الجريمة»..

ما يؤكد صحة هذا الإتجاه ،أن نتنياهو أمر بإعتقال اللواء يفعات تومر يروشالمي ،وهي التي تشغل منصب المدعي العام العسكري في جيش الإحتلال لأنها نشرت مقاطع فيديو عن ممارسة جنود صهاينة للتعذيب الجسدي والجنسي لفلسطينيين..وعندما تعمقوا في التحقيق فإنهم وصلوا الى أسماء الجنود الذين صوروا تلك الممارسات وعاقبوهم بطريقة إنتقامية..أما لماذا نشرت المدعي العام العسكري تلك المقاطع ،فإنها وقد عجزت عن إقناع قيادتها العسكرية بمعاقبة الجنود لغرض حماية الجيش الصهيوني من الملاحقات القانونية الدولية ،رأت أن تجبر تلك القيادة على محاكمة هؤلاء الجنود لإيقاف أي إجراءات قانونية دولية ضدهم..الا أن عنجهية نتنياهو وتعامله مع القانون الدولي والمؤسسات الدولية بإستهانة وإستهزاء جعله يعاقب المدعي العام العسكري ،التي كانت أكثر حرصاً منه على سمعة جيشه الذي تمرّس في الجريمة ،حتى صارت طابعاً مميزاً له.

ولعل الضجة التي حصلت في الكيان بعد التحقيق مع جنود ثبت قيامهم بتلك الأعمال المقززة ،دليل على أن ما يحصل هو تنفيذ لقرار رسمي ،فلقد تجمهر عدد من نواب الكنيست والوزراء وجماهير غفيرة من الدهماء ليساندوا الجنود المجرمين ويطالبون بإطلاق سراحهم وعدم إنزال أي عقوبة بهم مهما كانت بسيطة وتافهة.وهو ما ورد في التقرير الأممي الذي أوردنا فقراته آنفاً.

 

 

العميد الركن


مشاهدات 69
الكاتب حسن عبيد عيسى
أضيف 2026/06/17 - 4:06 PM
آخر تحديث 2026/06/18 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 17033 الكلي 15892514
الوقت الآن
الخميس 2026/6/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير