الأزمة المالية: نقاشٌ بيزنطي يجمع السياسي والمختص والمطلع
محمد فخري المولى
الأزمة المالية العراقية ليست وليدة اليوم بل حصيلة عقدي الثمانينات وتسعينيات القرن الماضي
حروب واستنزاف اقتصادي وحصار
ثم اختلال إدارة الدولة المالي بعد عام ٢٠٠٣ حيث تعزز الاعتماد على النفط واتسع الإنفاق الحكومي مع بقاء الاقتصاد الإنتاجي عاجزاً عن توفير بدائل مستدامة للإيرادات العامة،
اليوم تجدد المشهد مع اضطراب المنطقة ومخاطر الملاحة في مضيق هرمز ليتجدد السؤال عن قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات الخارجية
لكن الظروف مهما بلغت خطورتها
لا تفسر وحدها عمق الأزمة فهناك فرق بين أزمة تفرضها الأحداث وأخرى تتفاقم بسبب ضعف التخطيط والاستعداد وادارة الازمة.
لكن... وما أدراك ما لكن
لماذا يتحول الحديث عن الأزمة المالية إلى نقاش متكرر عقيم واحيانا بيزنطي يجمع السياسي والمختص والمطّلع وايضا المهتم من دون أن يصل إلى حلول جذرية؟
البداية عن المختص الذي يحلل المؤشرات الاقتصادية كخبير مالي يقرأ تفاصيل الإيرادات والالتزامات والنفقات ومتابع يقدم قراءاته المستندة إلى مراقبة السوق والمجتمع
أما السياسي فمن المفترض أن يحوّل هذه المعارف والخبرات إلى قرارات ومقررات تخدم المصلحة العامة
غير أن النقاش يصبح عقيماً بل بيزنطي
عندما تتقدم الحسابات السياسية على المعايير الاقتصادية وتُطرح القرارات من دون توضيح كافٍ لفرضياتها ونتائجها
اذن المشكلة ليست في اختلاف الآراء،
بل في غياب المسافة الواضحة بين التشخيص والقرار والرقابة والمحاسبة.
ازمة وحلول مجتزئة من يدفع ثمنها
عندما تتراجع الإيرادات أو ترتفع الأسعار لا يتأثر المجتمع بالتساوي
فصاحب الدخل المرتفع يمتلك عادةً وسائل أفضل لامتصاص الصدمات بينما يجد الموظف محدود الدخل والطبقات الهشة والأسرة الفقيرة نفسها أمام خيارات صعبة مثل تقليص الانفاق والاستهلاك أو الاستدانة أو التخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية
هنا تتجاوز الأزمة حدود الموازنة لتصبح أزمة اجتماعية تمس الغذاء والدواء والتعليم والسكن وتضغط على الطبقة الوسطى التي يتآكل دخلها الحقيقي عندما ترتفع تكاليف المعيشة من دون زيادة مقابلة في الأجور،
إن الفقر لا يُقاس بالدخل وحده بل بقدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية ومواجهة الطوارئ
لذلك ينبغي أن تستند القرارات المالية إلى بيانات سكانية واجتماعية دقيقة تحدد الفئات الأكثر تضرراً وتضمن أن تكون الحماية الاجتماعية جزءاً من إدارة الأزمة، لا إجراءً يأتي بعد وقوع الضرر.
سعر الصرف... أرقام للدولة ومعيشة للمواطن
يُطرح تغيير سعر الصرف أحياناً بوصفه وسيلة لزيادة الإيرادات الاسمية للدولة فإذا بلغت الإيرادات النفطية
سبعة مليارات دولار شهرياً فإنها تعادل ٩٫١ تريليون دينار عند سعر ١٣٠٠ دينار للدولار وترتفع حسابياً إلى ١٠٫٥ تريليون دينار عند سعر ١٥٠٠ دينار
أي فرق يبلغ ١٫٤ تريليون دينار شهرياً
أو ١٦٫٨ تريليون دينار سنوياً
إذا بقيت الإيرادات الدولارية ثابتة،
العراق بعد التعداد العام للسكان الأخير يمتلك قاعدة معلومات رصينة
فاذا كان عدد الموظفين ٥ مليون
فنسبة الطبقات الفقيرة والهشة تتجاوز ال ٣٥٪ اذن لدينا اكثر من ١٥ مليون
اما اصحاب الدخول المتوسطة فحدث ولا حرج...
اذن منذ فترة ٢٠ عشرين مليون مواطن تقريبا يعاني واليوم هو تتويج لكل الخطى السابقة بوضع اثر بارز جديد بحياة نصف الشعب العراقي
الا هو خفض سعر العملة المحلية
بدل ضبط السوق وترشيد الإنفاق.
لا تضبط الأسواق بالجهات الأمنية فقط
رغم أهمية تطبيق قوة القانون بمكافحة رفع الاسعار والاحتكار والغش
لكن المطلوب معرفة سعر السلعة الحقيقي عند المصدر وكلفة نقلها وخزنها وتوزيعها وهوامش الربح عبر حلقات التوريد الى ان تصل للاسواق
ثم معالجة أسباب ارتفاع الأسعار
مع تطوير دور وزارة التجارة والتموينية.
في المقابل تبرز مفارقة تستحق النقاش كيف تُطرح إجراءات تقشف تمس حياة المواطن بينما تتواصل التساؤلات بشأن استحداث مناصب ووزارات ومؤسسات جديدة وكذلك التمعن لكلف الامتيازات والمواكب الرسمية وتفاوت سلالم الرواتب والمخصصات لهيكل الدولة الوظيفي بمؤشر ضعف تحصيل بعض الإيرادات الداخلية ولا ننسى ملفات الفساد وازدواج الاستحقاقات والرواتب والدخول والمنافع
هذه الملفات تحتاج إلى تدقيق وبيانات معلنة لا إلى اتهامات عامة
فالإصلاح يبدأ بمراجعة النفقات ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات وضبط المنافذ ومعالجة الهدر وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس.
فرق الايردات
إذا افترضنا أن إنفاق موازنة ٢٠٢٧ يبلغ ٢١٧ تريليون دينار وأن العجز المقدر يبلغ ٥٠ تريليوناً فإن خفض الإنفاق إلى ٢٠٠ تريليون قد يقلص العجز حسابياً إلى ٣٣ تريليوناً إذا بقيت الإيرادات ثابتة وتحقق الخفض فعلياً
لكن ذلك يتطلب تحديد النفقات القابلة للتقليص من دون الإضرار بالخدمات والالتزامات الأساسية
المطلوب إذن ليس اعتبار خفض الموازنة حلاً مضموناً ولا رفض القرارات الصعبة مسبقاً بل مقارنة البدائل وتحديد كلفتها الاجتماعية والاقتصادية.
من أزمة مالية إلى أزمة ثقة
حين يشعر المواطن بأن دخله يتراجع والخدمات لا تتحسن والأعباء تتزايد بينما لا يرى مراجعة متناسبة للإنفاق العام تبدأ الثقة بالمؤسسات بالتآكل. وهذه الثقة عنصر أساسي في الاستقرار لأن المجتمع لا يقيم القرارات بمعزل عن عدالة توزيع الأعباء وشفافية الإدارة والمحاسبة
إن الاعتراف بوجود أزمة مالية لا يعني أن كل إجراء يُتخذ باسمها صحيح
كما أن الاعتراض على بعض المعالجات
لا يعني إنكار الأزمة التي قد تفرض الظروف خيارات صعبة
لكنها لا تعفي الدولة من شرح أسبابها وبدائلها وآثارها
فأين التخطيط وادارة الازمة.
مفارقات بلا اجابة
الإصلاح يبدأ من ترشيد الإنفاق ومراجعة الامتيازات ولماذا المواطن أول من يدفع الثمن بينما تبقى المناصب والامتيازات السياسية بعيدة عن سياسة التقشف
المفارقة الكبرى ان هناك واقعا ازمة مالية لكن يقابلها...
•يتضخم بانفاق الحكومي
•مواكب مسؤولين اغلبها سيارات ٢٠٢٦
•استحداث مناصب
•عدم القيام باي حملة جديدة لمجموعة اخرى من المشتبه بهم بالفساد
•ولا عملية ضبط لمن كان مستفيد من فرق التصريف للفترة السابقة
•مازال نقص بايرادات الخدمات العامة الضخمة
•عدم ضبط المنافذ وايراداتها
•الفساد ما زال مستشري باغلب مفاصل الجهاز الحكومي
•عدم وجود اليات لضبط السوق المحلية
•وجود خمسة سلالم للرواتب
•وجود مخصصات وتخصيصات برؤية حدث ولا حرج
•وعود بتعينات وعقود جديدة
•ما زال ازدواج الرواتب موجود
•معادلة شهادات تزداد يوميا بشكل مستمر
•اتجاه نحو انهاء الطبقة الوسطى نتيجة عدم دعمها واسنادها
•موازنة مقدمة بذات نهج وانفاق الحكومة السابقة
ختاما
حق يراد باطل وباطل يراد به حق
هذا هو ملخص الحدث
نثق بكل من يردد ان هناك ازمة
لكنه بذات الوقت يكشف عن قلة الاطلاع على ادارة الازمات وخطط الطوارى بسبب ازمة ادارة المتجذرة
فعندما يتهاوى الحلول أمام الواقع من هنا يتحوَّل الامر الى إقناع الشارع فقط بدل السعي الفعلي لحلول ناجعة لنتذكر ونذكر ان المواطن البسيط هو من يدفع ثمن الأزمات والادارة.