كيف تحول التحليل السياسي في العراق إلى مهنة من لا مهنة له ؟
نبراس المعموري
رافق التغيير السياسي الذي شهده العراق بعد 2003 صفة جديدة تحت مسمى «المحلل السياسي» وتعد هذه الظاهرة من أبرز الفعاليات الإعلامية والاجتماعية التي رافقت التغيير، حيث تحولت هذه الصفة من اختصاص أكاديمي وفكري إلى وظيفة عامة ومهنة قائمة بذاتها عبر شاشات القنوات الفضائية والمنصات الرقمية.
وعند البحث في أسباب صعود «موجة المحللين السياسيين» نجد ان كثرة القنوات الفضائية الحزبية والمستقلة، وكثرة البرامج الحوارية التلفزيونية والبودكاست ولدت حاجة يومية للاستعانة بضيوف لتغطية الصراعات والأحداث المتلاحقة ، كما ان غياب الناطق الرسمي المباشر وتخوف الكثير من الكتل والأحزاب من المواجهة المباشرة في التلفزيون، دفعها للاستعانة بوجوه تظهر تحت مسمى «محلل سياسي» لنقل خطاب الجهة دون رسمية حتمية. يرافق ذلك ايضا الكسب والترويج للحصول على مناصب، أو أداة لتحقيق المكاسب المالية والعلاقات العامة.
ويمكننا بهذا الصدد تصنيف موجة المحللين في المشهد العراقي الى المحلل الممثل لكتلة/حزب
ليرتدي عباءة التحليل المستقل، لكنه يلتزم بـ «الخط السياسي» لجهة معينة ويدافع عن مواقفها في الاستوديوهات. كذلك الأكاديمي والمتخصص في العلوم السياسية والقانون والدراسات الاستراتيجية؛ مستندا في تحليله الى أطر ونظريات منهجية بعيدة عن الانحياز المباشر.
لكن الكارثة الكبرى هي في المحلل العابر والطارئ الذي لايملك تخصص علمي أو معرفي، ويعتمد على التهويل، والشائعات، أو اللغة الانفعالية لانتزاع المشاهدات.
تشتيت الرأي العام
وبغض النظر عن ما ذكرناه من تصنيفات لانواع المحللين الا ان النتيجة بالنهاية تؤدي الى تشتيت الرأي العام واختلاط التحليل بالدعاية الحزبية والخبر الكاذب، مما يجعل الجمهور يواجه صعوبة في تفكيك المشهد الحقيقي. اضافة الى تسخين وتوتير الخطاب من خلال التصعيد لاستقطاب الجمهور وزيادة المشاهدات بدلاً من تقديم القراءة الرشيدة، مما يؤدي الى فقدان الثقة بالصفة.
والتساؤل ما هي الإجراءات والضوابط المعمول بها حالياً في العراق ؟
وفق ما ترتب عن ظاهرة المحللين السياسيين فهناك اجراءات اعتمدت لائحة قواعد البث الإعلامي ل (هيئة الإعلام والاتصالات) وتحمل اللائحة القنوات التلفزيونية المسؤولية القانونية عما يصدر من ضيوفها على الهواء مباشرة. كذلك الرقابة والتنبيهات المباشرة ، حيث تكتفي الهيئة غالباً بتوجيه إنذارات للمؤسسة الإعلامية أو فرض غرامات، وفي بعض الحالات إيقاف البرنامج المتجاوز مؤقتاً عند إثارة شائعات . كما ظهرت بين الاونة والاخرى مبادرات من قبل النقابات والأوساط الأكاديمية والجمعيات بشكل دوري بتقديم قوائم بالخبراء والأكاديميين المعتمدين، ودعوة القنوات إلى الاعتماد على المتخصصين بدلاً من الطارئين على المهنة.
من وجهة نظرنا لابد ان يكون هناك مراجعة واقعية لهذه الظاهرة ووضع اطر تنظيمية من خلال إنشاء قاعدة بيانات رسمية معتمدة من قبل هيئة الإعلام بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة تضم المختصين بناءً على تحصيلهم العلمي وخبراتهم. كذلك إلزام القنوات بتوصيف دقيق للضيوف وصياغة ميثاق شرف إعلامي تتعهد فيه القنوات الفضائية والمنصات الرقمية بوقف ظاهرة «ضيوف الأجر» أو استضافة أصحاب الخطابات الانفعالية لغرض إثارة الجدل فقط. يرافق ذلك المحاسبة المباشرة على الأخبار الزائفة وتفعيل الأطر القانونية التي تعاقب الضيف والقناة في حال استغلال الصفة التحليلية لنشر معلومات مفبركة أو الإضرار بالسلم الاجتماعي مع ضرورة اعتماد معيار العدالة والموضوعية في المراقبة والمحاسبة والابتعاد عن الانتقائية .