العراق
شليمار عبد المنعم محمد
في يومه الوطني — ٣ تشرين الأوّل
يا عراقُ،
موطنَ الحرفِ الأوّل،
أرضَ مجدٍ
لم تُطفئِ القرونُ سناه.
على ضفافِ دجلةَ والفراتِ
وُلدتْ حكايةُ الإنسان،
فكان الطينُ لوحًا،
صار الحرفُ ذاكرةً،
ومضى صدى الحضارةِ
يطرقُ أبوابَ الزمن.
سومرُ...
فجرٌ أطلَّ على التاريخ،
بابلُ...
تاجٌ استقرَّ فوقَ جبينِ العصور،
آشورُ...
هيبةٌ تركتْ على الرملِ
أثرَ خُطاها.
ثم جاءت بغداد،
فكان للعلمِ موعدٌ جديد،
ازدانتْ مجالسُها بالكتب،
أضاءتْ مصابيحُ الحكمةِ
ليلَ أممٍ بعيدة.
في أرضِكَ
لم يكن النهرُ ماءً عابرًا؛
دجلةُ ذاكرةٌ جارية،
الفراتُ شريانُ حياة،
والنخلةُ شاهدةٌ
على صبرِ التراب.
كربلاءُ تحملُ معنى الفداء،
النجفُ منارةُ علم،
سامراءُ تحفظُ في قبابِها
هيبةَ القرون،
وبغدادُ تستعيدُ في الذاكرة
زمنًا كان للكتابِ فيه
مقامُ العرش.
ذلك العراق،
لا تختصرُهُ حدود،
ولا تحصرُ مجدَهُ خارطة؛
فكلُّ ذرّةِ ترابٍ
تحملُ أثرَ حضارة،
وكلُّ حجرٍ
يُخبِّئُ حكايةَ جيل.
في الثالثِ من تشرين،
تستعيدُ البلادُ ذكرى استقلالِها،
حين انضمَّ العراقُ إلى عصبةِ الأممِ عامَ ١٩٣٢،
فدخلَ سجلَّ الدولِ المستقلةِ ذاتِ السيادة.
ترتفعُ الرايةُ،
فتنهضُ في الصدورِ
معاني العزّةِ والانتماء.
ليس الوطنُ يومًا عابرًا
يُعلَّقُ على جدارِ التقويم؛
الوطنُ عمرٌ كامل،
جذورٌ تضربُ أعماقَ الأرض،
وقلبٌ كلما نأى
عادَ إلى اسمه.
يا عراق،
كم تبدّلتْ وجوهُ الزمان،
وبقيتَ شامخًا
كجذعِ نخلةٍ عتيقة،
تضربُ جذورَها في التراب،
ترفعُ هامتها نحو السماء.
أنتَ القصيدةُ حين يعجزُ الكلام،
الكتابُ حين تتحدثُ الحضارة،
الأثرُ الذي
كلما حاولَ الزمنُ طمسَه،
عادَ أكثرَ وضوحًا.
العراقُ ليس صفحةً في كتابِ التاريخ؛
العراقُ صفحةٌ كتبَ عليها التاريخُ
بعضَ أجملِ فصولِه.
ليس وطنًا نسكنُ أرضَهُ فحسب؛
إنه وطنٌ يسكنُ أعماقَنا،
يحملُ أسماءَ آبائنا،
رائحةَ نخيلِنا،
صوتَ أنهارِنا،
وذاكرةَ الطفولةِ الأولى.
وفي الثالثِ من تشرين،
لا تنتهي الحكاية؛
تبدأ صفحةٌ جديدة
تليقُ بوطنٍ
عرفَ الكتابةَ قبلَ أن يعرفَ العالمُ
كيف تُكتبُ الحضارة.
هذا العراق...
إذا سألَ الزمنُ عن المجد،
كان اسمُهُ جوابًا.
إذا فتّشَ التاريخُ عن مهدِ الحكاية،
قادتهُ الخطى إلى أرضِ الرافدين.
إذا أُغلقتْ دفاترُ القرون،
بقي العراقُ
سطرًا مفتوحًا،
لم تُكتبْ بعدُ
كلمتُهُ الأخيرة.
بقلم: شاعرة الإحساس