أنا والشمس
ثامر محمود مراد
مرحبًا أيتها الشمس...
كم أنا سعيد لأنني أراكِ من جديد.
تطلّين كل صباح من وراء الأفق، كأنكِ وعدٌ لا يخلف موعده، وكأنكِ رسالة صامتة تقول للإنسان: ما زالت هناك فرصة أخرى للحياة.
لا أدري لماذا أشعر كلما رأيتكِ بأن شيئًا في داخلي يستيقظ. ربما لأن نوركِ لا يضيء الطرقات وحدها، بل يتسلل إلى الأماكن المعتمة في أرواحنا، تلك التي أرهقها الليل، وأثقلتها الذكريات، وأتعبتها أسئلة لا تجد لها جوابًا.
مرحبًا بكِ، يا شمس الصباح...
كم مرة جئتِ وأنا أحمل في صدري حزنًا لا يعرفه أحد؟ وكم مرة رأيتكِ بعد ليلة طويلة، فشعرت أن العالم يمنحني مهلة جديدة لأبدأ من جديد؟
أنتِ لا تسألينني عمّا حدث بالأمس.
لا تفتشين في وجهي عن آثار التعب، ولا تحاكمينني على أخطائي، ولا تذكرينني بما انكسر. تأتين فقط، وتسكبين ضوءكِ على كل شيء، وكأنكِ تقولين: اترك الماضي مكانه، وتعالَ لننظر إلى هذا الصباح.
في حضوركِ تصبح الأشياء البسيطة جميلة.
نافذة مفتوحة، فنجان قهوة، شجرة تستقبل الضوء، طائر يعبر السماء، ووجه إنسان يستعيد شيئًا من ابتسامته. حتى الجدران الصامتة تبدو أقل قسوة حين تلمسها أشعتكِ.
ولستِ مجرد كرة من نار بعيدة في فضاء شاسع؛ أنتِ، في وجدان الإنسان، معنى آخر. أنتِ رمز للبداية، وللأمل الذي لا يحتاج إلى كلمات، وللحياة التي تصرّ على أن تستمر رغم كل ما يحيط بها من عتمة.
كم يشبه الإنسان الشمس حين ينهض بعد سقوطه.
قد يمرّ عليه ليل طويل، وقد تشتدّ حوله الغيوم، وقد يظن للحظة أن الفجر لن يأتي. لكنه، في مكان عميق من روحه، يحتفظ دائمًا بقدرة صغيرة على النهوض. وحين يفعل، يكون قد اكتشف أن النور لم يكن بعيدًا عنه كما ظن، بل كان ينتظر منه أن يفتح نافذته فقط.
لهذا أقول لكِ كل صباح:
مرحبًا أيتها الشمس...
أنا سعيد دائمًا برؤيتكِ.
سعيد لأن ظهوركِ يذكّرني بأن الحياة لا تتوقف عند ليلة، وأن الحزن مهما طال ليس قدرًا أبديًا، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ مرة أخرى، ولو بعد أعوام من التعب.
وحين تغادرين في المساء، لا أحزن كثيرًا. فأنا أعرف أنكِ سترحلين لتعودي. وهذه وحدها فكرة تستحق أن نعيش من أجلها: أن بعض الأشياء الجميلة قد تغيب، لكنها لا تختفي.
فيا شمس الصباح،
حين تأتين غدًا، لا تتعجبي إن وجدتني واقفًا عند النافذة أبتسم لكِ.
سأقول لكِ من جديد:
مرحبًا... لقد اشتقت إليكِ.
وأنا، كما كنت دائما سعيد برؤيتك