الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثعابينُ والجرادُ في القريةِ الصفراءِ

بواسطة azzaman

الثعابينُ والجرادُ في القريةِ الصفراءِ

محمد خضير الأنباري

 

في يومٍ مغبرٍ أصفر، هبتْ على القريةِ رياحٌ عاتية، لمْ يعرفْ أهلها مثلها منْ قبل. كانتْ الريحُ تعوي بينَ البيوتِ الطينية، وتقتلعُ الأغصان اليابسة، وتحجبُ السماء بستارٍ كثيفٍ منْ التراب. أغلقتْ الأبواب، وأحكمَ الناسُ نوافذهم، وانتظروا أنْ تمرَ العاصفة، وهمْ لا يعرفونَ ماذا تخبئُ لهمْ وراءَ ذلكَ الغبار.

   عندما انكشفَ الصباح، هدأتْ الريح، وسكنَ التراب، وخرجَ أهلُ القريةِ يتفقدونَ مزارعهمْ وحقولهم. لكنهمْ لمْ يجدوا آثارَ العاصفةِ وحدها؛ فقدْ وجدوا شيئا أكثرَ غرابةً وخوفا.

   كانتْ الثعابين، قدْ انتشرتْ عندَ أطرافِ الحقول، تتلوى بينَ السنابلِ والحجارة، بينما غطتْ أسراب الجرادِ الأشجار والسياجات وأسقف المخازن، حتى بدِ المشهد، وكأنَ القريةَ قدْ استيقظتْ على جيشٍ منْ الغرباء.

 احتارَ الناسُ في أمرها، قالَ بعضهم: لعلَ الرياحَ حملتها منْ بلادٍ بعيدة. وقالَ آخرون: لعلَ الأرضَ لفظتها منْ أعماقها، لكنَ أحدا لمْ يكنْ يعرفُ الحقيقة.

   اجتمعَ أهلُ القريةِ في ساحةِ السوق، واتفقوا على طردِ هذهِ الكائناتِ الغريبةِ قبلَ أنْ تستوطنَ أرضهم. خرجَ الرجالُ بالعصيِ والمشارف، وخرجَ الصبيةُ بالحجارة، لكنَ الثعابينَ كانتْ أسرعَ منهم، تعرفُ كيفَ تختبئُ في الجحورِ والشقوق، وكانَ الجرادُ يطيرُ منْ شجرةٍ إلى أخرى، حتى بدتْ مطاردتهُ أشبهُ بمطاردةِ الظلال.

   مرتْ الأيام، ثمَ الأسابيع، ثمَ الشهور، ومعَ تعبِ الناسِ منْ المطاردة، بدأتْ الثعابينُ والجرادُ تتكيفُ معَ المكان. شيئا فشيئا، صارَ وجودها أمرا مألوفا. لمْ يعدْ الطفل يفزعُ منْ ثعبانٍ يمرُ قربَ الساقية، ولمْ يعدْ الفلاح يرفعُ رأسهُ كلما هبطَ الجراد على أشجاره.

   هنا بدأتْ الحكايةُ ، تأخذُ وجها آخر. فقدْ بدأتْ بعضُ الثعابينِ تهمسُ في آذانِ الناس، لمْ يكنْ كلامها صريحا، بلْ كانَ همسا ناعما يشبهُ النصيحة، قالتْ لفلاحِ فقير: نحنُ نحرسُ مزرعتك. وقالتْ لتاجرٍ طماع: نحنُ نفتحُ لك أبوابَ التجارة. وقالتْ لطالبِ منصب: نحنُ نستطيعُ أنْ نجعلك رجلاً مهما.

بمرورِ الوقت، ظهرَ في القريةِ أناسٌ صاروا يدافعونَ عنْ الثعابينِ والجرادِ أكثر مما يدافعونَ عنْ قريتهم. قالوا: لولاهمْ لما استقرتْ الأمور. وقالَ آخرون: لقدْ أصبحوا جزءا منْ حياتنا، فلماذا نعاديهم؟ أما منْ كانَ يعترضُ أوْ يسأل، فكانَ يتهمُ بأنهُ يثيرُ الفتنة، ويهددُ السلام، ولا يفهمُ مصلحةَ القرية،   وهكذا، لمْ تعدْ الثعابين مجرد ضيوفٍ ثقيلة، بلْ تحولت- شيئا فشيئا- إلى أصحابِ نفوذ.

  أصبحتْ تراقبُ الطرق، وتتحكمُ بالمخازن، وتقررُ أيّ الحقولِ تروى أولا، وأيها ينتظرُ دوره، أما الجراد، فقدْ صارَ يلتهمُ جزءا منْ المحاصيلِ كلَ موسم، حتى اعتادَ الناسُ خسائرهم، كما يعتادُ المريضُ ألمهُ إذا طالَ بهِ المرض، ولكيْ تحافظَ الثعابينُ على نفوذها، صنعتْ لنفسها أتباعا.

   منحتْ بعضهمْ المال، ومنحتْ آخرينَ النفوذ، ووعدتْ غيرهمْ بالمناصب، وهكذا نشأتْ طبقةٌ منْ المنتفعين، لمْ تعدْ ترى في القريةِ وطنا، بلْ غنيمة.

  كانَ هؤلاءِ أشدَ دفاعا عنْ الثعابينِ منْ الثعابينِ نفسها، كلما اشتكى فلاحٌ منْ ضياعِ محصوله، قالوا له: اصبر، الأمور ستتحسن، وكلما سألَ شابا: لماذا تتراجعْ القرية؟

 أجابوه: هذا قدرنا، ومعَ مرورِ السنوات، بدأتْ القريةُ تنسى نفسها، نسيَ الناسُ أسماءَ الذينَ شقوا السواقي، وبنوا البيوت، وزرعوا البساتين، وحولوا الأرضَ القاحلةَ إلى حياة، ونسيَ الأطفالُ قصصَ الأجدادِ الذينَ لمْ ينتظروا أحدا لينقذهم، بلْ حملوا المعاولَ بأيديهم، وبنوا قريتهمْ بأنفسهم، صارَ الحديثُ كلهُ يدورُ حولَ رضا الثعابينِ وغضبها.

  أما المدرسة، فضعفت، والحقول قلَ إنتاجها، والورش أغلقتْ أبوابها، وأصبحَ الناسُ ينتظرونَ ما تقررهُ الثعابين بدلَ أنْ يقرروا مصيرهمْ بأنفسهم. وفي ليلةٍ هادئة، جلسَ شيخٌ عجوزٌ عندَ أطرافِ القرية، يتأملُ السهول الممتدة تحتَ ضوءِ القمر.

 اقتربَ منهُ حفيده، وسأله: يا جدي، لماذا أصبحتْ قريتنا هكذا؟ ظلَ الشيخُ صامتا لحظة، ثمَ نظرَ إلى الأفق، وقال: ليستْ المشكلة إنَ الريحَ حملتْ إلينا الثعابينَ والجراد، ثمَ سكتَ قليلا، وأضاف: المشكلةُ أننا حينَ عجزنا عنْ طردهم، سمحنا لهمْ أنْ يقرروا كيفَ نعيش.

  قالَ الحفيد: هلْ يمكنُ أنْ تعودَ القريةُ كما كانت؟

  ابتسمَ الشيخُ ابتسامة حزينة، وقال: ستعودُ يوما يتذكرُ أهلها أنَ الأرضَ لهم، وأنَ بناءَ القريةِ أصعبُ منْ احتلالها، لكنهُ أبقى وأشرف.

   ظلَ الحفيدُ صامتا، ثمَ نظرا إلى القرية.

 في تلكَ الليلة، بدأتْ كلماتُ الشيخِ تنتقلُ منْ بيتٍ إلى بيت، ومنْ فمٍ إلى فم.

  لكنْ هذهِ المرةَ لمْ يكنْ السؤال: كيفَ نعيشُ معَ الثعابينِ والجراد؟ بلْ أصبحَ السؤال: منْ المنقذِ منْ الأفاعي والجراد؟

 كانَ السؤال، في ظاهره، عنْ الثعابينِ والجراد، لكنهُ في حقيقتهِ كانَ أكبرَ منْ ذلكَ بكثير.

 كمْ منْ شعبٍ استقبلَ غريبا على أنهُ منقذ، لأنهُ وعدة بالخلاصِ منْ أزماته، ثمَ اكتشفَ بعدَ سنواتٍ أنَ منْ جاءَ باسمِ الإنقاذِ قدْ أصبحَ شريكا في القرار، وصاحبِ نفوذٍ في الأرض، ومتحكما في مقدراتها؟ كمْ منْ قوةٍ خارجية، دخلتْ بلدٌ تحتَ عنوانٍ براقة: الحماية، المساعدة، التحرير، وإنقاذ الشعب، ثمَ طالَ بقاؤها حتى أصبحَ الرحيلُ عنها أصعبَ منْ دخولها.

   لا تكمنَ المشكلة، دائما في الغريبِ وحده، وإنما في أولئكَ الذينَ يفتحونَ لهُ الباب، ويمنحونهُ شرعيةْ البقاء، ثمَ يصنعونَ حولهُ شبكةً منْ المنتفعين، حتى يصبحَ الدفاع عنهُ دفاعا عنْ مصالحهمْ لا عنْ مصالحِ الوطن.

   عندها تتحولُ الثعابينُ إلى حماة، والجراد إلى شركاء، والمنتفعونَ إلى أبواقٍ تبررُ وجودهما. وحينَ يستيقظُ الشعبُ متأخرا، يجدُ أنَ السؤالَ لمْ يعد: منْ جاء؛ لينقذنا؟

 بل: كيفَ نستعيدُ قرارنا؟  كيفَ نخرجُ منْ أصبحَ يتحكمْ بأرضنا ومقدراتنا؟

  وهنا تكونُ العبرة: ليسَ كلّ منْ دخلَ أرضك منْ بابِ النجدةِ جاء؛ لينقذك، وليسَ كلّ منْ رفعَ شعار الحمايةِ يريدُ حمايتك

     فقدْ يبدأُ الاحتلالُ في صورةٍ مساعدة، أو يبدأُ النفوذُ في صورةِ صداقة، أو تبدأُ التبعيةُ في صورةِ تحالف، لكنَ الوطنَ الذي لا يحرسُ قراره بنفسه، قدْ يستيقظ- ذاتَ يوم- ليجدَ أنَ الثعابينَ لمْ تعدْ تزحفُ على أطرافِ القرية. . . بلْ أصبحتْ تجلسُ في قلبها، وتقررُ لأهلها كيفَ يعيشون.

  يبقى السؤالُ الذي لا بدَ منْ أنْ تجيبَ عنهُ كلُ قرية، وكلُ شعب، وكلُ وطن: منْ المنقذِ منْ الأفاعي والجراد؟

 الجواب، ربما لا يأتي منْ خارجِ القرية، وإنما يبدأُ يوما يقررُ أهلها أنْ يكونوا همْ أصحابُ الأرض، وأصحابُ القرار، وأصحابُ المستقبل.


مشاهدات 52
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/08/26 - 2:53 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 170 الشهر 34735 الكلي 16124439
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير