الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في قصيدة هذا البيت ليس لي لحنان الويليدي


الحنين بين سيمياء الذاكرة وأنطولوجيا الغياب

قراءة نقدية في قصيدة هذا البيت ليس لي لحنان الويليدي

عبدالكريم الحلو

 

●  القصيدة :

" هذا البيت ليس لي "

الشاعرة  حنان الويليدي 

 

هذا البيت لي  !

زرته يوما لا كما كنته

أدق أدق أدق

قلبي يدق

 

سُمِرتْ عيوني

بكت الأبواب

أين النافذة

التي كم زاحمت فيها امي؟

 

أين رائحة الخبز؟

أين الاطفال

يختفون من المطر

يدوسون الورد

يغافلون ابي؟

 

أين ممشى الحديقة

 عريشة العنب؟

أين قميص اخي

يرفرف بين الاغصان؟

 

أين القطط  والعصافير ؟

أين دورة الشاي والكرسي؟

أين السوالف واسنان الذهب 

متى  ضحكت جدتي؟

 

أين اغنية الست

وانا لا افهمها وابكي؟

 

حتى القرميد الأخضر

 ما عاد يعرف وجهي

أواه  !!

قد يموت الأحياء

ويحيى الاموات

الوجوه الأسماء الأماكن

تبقى فينا حتى نمضي

 

الشاعرة حنان الوليدي

 

                  

            ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

●  المقدمة :

حين يعود الإنسان إلى نفس المكان

ولا يجد نفسه !!

نص «هذا البيت ليس لي»

للشاعرة حنان الويليدي

لا تكتفي باستدعاء تجربة شخصية هي العودة إلى بيت الطفولة، وإنما تحول هذه العودة إلى تجربة إنسانية مشتركة :

ماذا يحدث لنا حين نعود إلى الأمكنة التي صنعتنا، فنكتشف أنها ما زالت هناك، بينما نحن لم نعد أولئك الذين كانوا يسكنونها؟

من هنا لا ينبغي قراءة هذه القصيدة بوصفها نصا عن الحنين فقط.

فالحنين هو الطبقة الأولى.

أما الطبقات الأعمق فهي:

المكان، الذاكرة، الهوية، الزمن، الغياب، الموت، واستحالة استعادة الماضي.

والبيت في القصيدة ليس جدرانا وأبوابا ونوافذ، وإنما هو مستودع للوجود الشخصي ، إنه المكان الذي كانت الذات فيه في طور التشكل ،  ولهذا فإن العودة إليه تشبه العودة إلى الذات الأولى، لكن المفارقة أن الذات الأولى لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.

وهنا تبدأ مأساة النص.

 

            ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

●  أولا :

البيت بوصفه أنطولوجيا للذات

البيت في القصيدة ليس ديكورا مكانيا، وإنما هو وجود كامل.

حين تقول الشاعرة:

« هذا البيت لي!»

فهي لا تعلن ملكية عقارية، بل تعلن انتماء وجوديا.

هذا البيت كان جزءا من تكوينها؛ فيه الأم، والأب، والأخ، والجدة، والأطفال، والحديقة، والعريشة، والقطط، والعصافير، ورائحة الخبز، وأغنية أم كلثوم، ودورة الشاي، والكرسي، والسوالف.

أي أن البيت لم يكن مكانا تسكن فيه الذات، بل كان المكان الذي صنعت فيه الذات نفسها.

ولهذا فإن العودة إليه تصبح أشبه بالعودة إلى الرحم الأول.

لكن الصدمة تحدث عندما تكتشف الشاعرة أن المكان لم يعد قادرا على استعادتها.

 

« حتى القرميد الأخضر

ما عاد يعرف وجهي»

 

يا لها من جملة عميقة!

فالقرميد، وهو شيء جامد، يتحول إلى كائن يمتلك الذاكرة. لكن المفارقة أن هذا الكائن الذي كان شاهدا على طفولتها لم يعد يعرف وجهها.

 

هنا يحدث الانفصال الأنطولوجي:

أنا أعرف المكان، لكن المكان لم يعد يعرفني.

وهذا من أوجع أشكال الاغتراب.

 

●  ثانيا:

البيت بين غاستون باشلار والذاكرة الشعرية

 

إذا استحضرنا فلسفة المكان عند غاستون باشلار، فإن البيت ليس مجرد حيز هندسي، بل هو أحد أعمق الأمكنة التي تحفظ ذاكرة الإنسان.

البيت عند باشلار يرتبط بالحميمية، والحلم، والطفولة، والزوايا، والأبواب، والنوافذ، والأمكنة الصغيرة التي تتحول في الذاكرة إلى عوالم كاملة.

وهذا بالضبط ما تفعله حنان الويليدي.

هي لا تصف البيت من الخارج.

لا تقول لنا كم غرفة فيه، ولا كيف بني، ولا أين يقع.

بل تستعيد ما كان يحدث فيه.

تقول:

« أين رائحة الخبز؟»

 

ثم:

« أين الأطفال

يختفون من المطر»

 

ثم:

« أين ممشى الحديقة

عريشة العنب؟»

 

ثم:

« أين قميص أخي

يرفرف بين الأغصان؟»

 

وهكذا يصبح البيت في القصيدة بيت الذاكرة لا بيت الحجر.

وهذا فارق جوهري.

فالبيت الفيزيائي يمكن أن يقاس بالأمتار.

أما البيت الوجداني فلا يقاس إلا بما تركه في الروح.

 

●  ثالثا:

البيت بوصفه رحم الذاكرة

البيت في النص يشبه الرحم الأول.

فيه ولدت العلاقات الأولى.

فيه تعلمت الذات معنى الأم.

وفيه اكتشفت الأب.

وفيه عرفت الأخوة.

وفيه سمعت ضحكة الجدة.

وفيه تشكلت علاقتها بالطبيعة والمطر والطعام والأغنية.

ولهذا فإن العودة إلى البيت ليست عودة إلى مكان، وإنما عودة إلى النسخة الأولى من الذات.

لكن الذات لا تستطيع استعادة طفولتها.

وهنا يتحول البيت إلى مرآة مؤلمة.

فالإنسان يرى المكان القديم، لكنه يرى من خلاله غيابه هو.

 

●  رابعا:

الباب بوصفه عتبة أنطولوجية

تقول الشاعرة:

« أدق أدق أدق

قلبي يدق »

 

هذا التكرار ليس حشوا إيقاعيا.

إنه فعل شعري بالغ الدلالة.

«أدق» تعني أنها تطرق الباب.

لكنها في الوقت نفسه تقول:

قلبي يدق.

إذن يتحول الباب إلى موضع اتصال بين:

الجسد والمكان، الحاضر والماضي،

الداخل والخارج، الواقع والذاكرة.

إنها لا تطرق بابا فقط.

إنها تطرق باب الزمن.

لكن الزمن لا يفتح.

وهنا تتولد المأساة.

فالإنسان يستطيع طرق باب المكان،

لكنه لا يستطيع طرق باب الماضي.

 

●  خامسا :

« سمرت عيوني » ـ لحظة الصدمة

بعد الطرق يأتي التوقف:

« سمرت عيوني

بكت الأبواب»

 

كأن الزمن توقف.

«سمرت» تحمل معنى التثبيت والعجز عن الحركة. الشاعرة ترى شيئا لا تستطيع أن تستوعبه. ثم تمنح الأبواب قدرة البكاء.

وهنا تحدث عملية تبادل بين الإنسان والمكان :  الإنسان يبكي.

لكن النص يجعل الأبواب هي التي تبكي.

 

لماذا؟

لأن المكان أصبح شريكا في الفقد.

فالبيت ليس شاهدا محايدا.

إنه شاهد على حياة انتهت.

 

●  سادسا:

السيمياء ـ حين تتحول الأشياء إلى علامات

السيميائيات لا تنظر إلى الأشياء بوصفها أشياء فقط، وإنما بوصفها علامات تحمل معاني تتجاوز وجودها المادي.

وفي هذه القصيدة تتحول الأشياء الصغيرة إلى مفاتيح للذاكرة.

رائحة الخبز ليست رائحة فقط.

النافذة ليست نافذة فقط.

الكرسي ليس كرسيا فقط.

قميص الأخ ليس قطعة قماش فقط.

القرميد الأخضر ليس مادة بناء فقط.

كل هذه الأشياء أصبحت علامات على أشخاص وأزمنة وحالات نفسية.

وهنا يمكن القول إن الشاعرة أنشأت في القصيدة ما يشبه:

معجما سيميائيا للطفولة.

 

●  سابعا:

رائحة الخبز ـ الحاسة التي تهزم الزمن

من أقوى الأسئلة:

« أين رائحة الخبز؟»

اختيار الرائحة تحديدا بالغ الذكاء.

فالذاكرة الشمية من أكثر الذاكرات التصاقا بالانفعال.

يمكن أن ننسى تاريخا كاملا، لكن رائحة معينة قادرة على فتح باب زمني كامل.

لذلك لا تسأل الشاعرة:

أين المطبخ؟

بل تسأل:

أين الرائحة؟

لأن ما تريده ليس المكان، وإنما الحياة التي كانت تنبعث منه.

الخبز هنا علامة على:

الأم. البيت. الصباح.

العائلة. الأمان. الطفولة.

وبذلك تختصر الرائحة منظومة كاملة من الوجود.

 

            ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

●  ثامنا:

النافذة والأم ـ سيمياء الحضور الغائب

تقول:

« أين النافذة

التي كم زاحمت فيها أمي؟»

النافذة من أكثر الرموز قدرة على حمل المعنى.

فهي مكان بين فضاءين:

الداخل والخارج.

الخصوصية والعالم.

البيت والشارع.

الأمان والمجهول.

 

لكن النافذة هنا مرتبطة بالأم.

ولهذا فإن السؤال عن النافذة هو سؤال غير مباشر عن الأم.

وهذه تقنية جميلة في النص:

الشاعرة لا تقول : أين أمي؟

لكنها تجعلنا نبحث عنها من خلال النافذة.

وهذا أكثر شعرية من التصريح المباشر.

 

●  تاسعا:

الأطفال ـ الزمن الذي لا يعود

 

« أين الأطفال

يختفون من المطر

يدوسون الورد

يغافلون أبي؟»

 

هذه الصورة تجمع ثلاثة عناصر:

المطر، الأطفال، الأب.

وهي عناصر تنتمي إلى عالم الحركة والحياة. الأطفال يركضون. الأب يراقب. المطر ينزل. والورد يُداس.

إنها حياة في ذروة امتلائها.

لكن عندما تعود الشاعرة لا تجد شيئا منها.

وهنا يتحول المكان من فضاء للحركة إلى فضاء للصمت.

وهذا التحول هو جوهر الحنين.

 

●  عاشراً :

قميص الأخ ـ الجسد الذي بقيت علامته

من أجمل صور النص:

« أين قميص أخي

يرفرف بين الأغصان؟»

 

الشاعرة لا تبحث عن الأخ مباشرة.

إنها تبحث عن قميصه.

وهنا يتحول القميص إلى أثر.

والأثر هو الشيء الذي يبقى عندما يغيب صاحبه.

القميص يمثل الجسد الغائب.

 

والرفرفة بين الأغصان تمنح الغياب حركة.

كأن الأخ ما زال موجودا، لكن في صورة قميص يتحرك في الهواء.

وهذه صورة تجمع بين:

 

الحضور والغياب.

وهي الثنائية الأساسية في القصيدة كلها.

 

●  الحادي عشر:

الجدة وأسنان الذهب ـ ذاكرة التفاصيل

تقول:

« أين السوالف واسنان الذهب

متى ضحكت جدتي؟»

هنا تكشف الشاعرة عن طبيعة الذاكرة.

فالذاكرة لا تحفظ الأشخاص بصورة فوتوغرافية كاملة.

 

إنها تحفظ تفاصيل صغيرة.

سوالف. أسنان ذهب. ضحكة.

 


مشاهدات 36
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/08/26 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 170 الشهر 34735 الكلي 16124439
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير