الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين مطرقة العقوبات وسندان الدولار… هل تبدأ الحرب الاقتصادية من المصارف؟

بواسطة azzaman

العراق بين مطرقة العقوبات وسندان الدولار… هل تبدأ الحرب الاقتصادية من المصارف؟

ضياء واجد المهندس

 

لم تعد العقوبات الأميركية على إيران مجرد أداة لمعاقبة دولة بعينها، بل بدأت تتحول إلى منظومة ضغط تستهدف شبكة التمويل والتجارة والنقل والطاقة والوسطاء والشركات والمصارف التي تتيح لطهران الوصول إلى الاقتصاد العالمي.

وفي 24 آب/أغسطس 2026، أطلقت وزارة الخزانة الأميركية ما سمّته «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، وهي حملة واسعة ضد إيران و«الجهات المُمكِّنة» لها، في محاولة لتجفيف مصادر الإيرادات والتمويل.

وفي 20 آب/أغسطس، كانت واشنطن قد أعلنت أيضاً عقوبات تستهدف شبكة قالت إنها نقلت مئات الملايين من الدولارات بين إيران وتركيا والإمارات ولبنان لتمويل حزب الله خارج النظام المالي الرسمي.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة العراقية.

فالعراق ليس إيران، لكنه يقع جغرافياً واقتصادياً ومالياً في المنطقة الأكثر حساسية لهذه المواجهة. فهو يتعامل مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يرتبط بإيران بعلاقات تجارية وطاقة واسعة. ولذلك فإن بغداد قد تجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة:

كيف تتعامل مع إيران من دون أن تصطدم بالنظام المالي الأميركي؟

العراق… الحلقة الأكثر حساسية

تكشف الأرقام حجم المشكلة.

بلغت التجارة بين العراق وإيران نحو 10 مليارات دولار في عام 2025، فيما يعتمد العراق على إيران في استيراد الغاز والطاقة، وتقدّر قيمة مشتريات الغاز الإيراني بنحو 4–5 مليارات دولار سنوياً وفق بيانات نقلتها رويترز.

وهذا يعني أن أي تشديد للعقوبات الثانوية لن يكون تأثيره محصوراً في إيران، بل قد يصل إلى الشركات العراقية والمصارف وشركات الصرافة والمستوردين والناقلين إذا اعتبرت واشنطن أن بعض تعاملاتهم تساعد إيران على تجاوز العقوبات.

والأخطر أن العراق يعتمد بصورة كبيرة على النظام المالي القائم على الدولار لتسوية معاملاته الخارجية.

وهنا لا تصبح المشكلة مجرد «عقوبة على شركة»، وإنما قد تتحول إلى مشكلة في الوصول إلى الدولار والتحويلات الخارجية والاعتمادات المصرفية والعلاقات مع البنوك المراسلة.

وقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على مصارف عراقية بسبب تعاملات مرتبطة بإيران، فيما تمتلك واشنطن أدوات ضغط مهمة بسبب ارتباط إيرادات النفط العراقية بالنظام المالي الدولي وبحسابات العراق لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

لماذا العراق أكثر عرضة للصدمة؟

لأن الاقتصاد العراقي يعاني أصلاً من نقطة ضعف جوهرية: الاعتماد المفرط على النفط.

وفق أرقام صندوق النقد الدولي، بلغت الإيرادات النفطية الحكومية ما يعادل 31% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقابل إيرادات غير نفطية لا تتجاوز نحو 3.5% من الناتج المحلي.

كما يقدّر الصندوق أن النفط يمثل نحو 80% من إيرادات الحكومة تقريباً، بينما يتوقع أن يبلغ العجز المالي في 2026 نحو 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يصل الدين الحكومي إلى نحو 62.3% من الناتج المحلي.

وهذه أرقام ينبغي التوقف عندها طويلاً.

فالعراق لا يملك اقتصاداً متنوعاً يستطيع امتصاص صدمة كبيرة في النفط أو التجارة أو النظام المصرفي.

بل إن موازنة الدولة ورواتب الموظفين والمتقاعدين والإنفاق الحكومي والاستثمار العام تعتمد بدرجة كبيرة على استمرار تدفق الإيرادات النفطية.

ماذا لو ارتفع الضغط على النفط؟

هنا تظهر خطورة أخرى.

قد تؤدي المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى نتيجتين متعاكستين.

الأولى: ارتفاع أسعار النفط بسبب المخاطر الجيوسياسية واضطراب الإمدادات.

وهذا قد يكون مفيداً للعراق مؤقتاً لأنه يرفع قيمة صادراته النفطية.

لكن النتيجة الثانية أخطر: إذا أدى التصعيد إلى اضطراب صادرات العراق أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أو تعطل طرق التصدير، فإن ارتفاع السعر العالمي قد لا يعوّض خسارة الكميات.

وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن صادرات العراق النفطية تبلغ نحو 3.5 ملايين برميل يومياً في 2026، وبسعر تصدير متوسط مقدّر بنحو 62 دولاراً للبرميل.

وبحساب تقريبي، فإن انخفاض الصادرات بمقدار 500 ألف برميل يومياً، مع ثبات السعر عند 62 دولاراً، يعني فقدان إيرادات إجمالية تقارب 11.3 مليار دولار سنوياً.

أما انخفاض مليون برميل يومياً فيعني خسارة تقارب 22.6 مليار دولار سنوياً من قيمة الصادرات الإجمالية.

هذه ليست أرقاماً نظرية صغيرة؛ إنها مبالغ يمكن أن تتحول سريعاً إلى ضغط على الموازنة والإنفاق العام والاحتياطيات وسعر الصرف.

وماذا لو ارتفع سعر النفط؟

حتى هنا ليست الصورة وردية تماماً.

إذا ارتفع النفط مثلاً من 62 إلى 80 دولاراً للبرميل، فإن الزيادة النظرية على صادرات تبلغ 3.5 ملايين برميل يومياً تقترب من 23 مليار دولار سنوياً قبل احتساب فروقات الجودة والتكاليف وحصص الشركاء والخصومات وأي قيود إنتاجية.

لكن العراق قد لا يستطيع الاستفادة من هذه الزيادة بالكامل إذا كانت الحرب الإقليمية تؤدي في الوقت نفسه إلى تعطيل الإنتاج أو التصدير.

وهذا هو الدرس الأهم:

ارتفاع سعر النفط لا يعني بالضرورة ارتفاع قدرة العراق المالية إذا تراجعت الكميات المصدّرة.

الخطر الأكبر قد يكون في المصارف لا في النفط

ربما يكون المواطن العراقي منشغلاً بسعر برميل النفط، بينما الخطر الأكثر مباشرة قد يظهر في مكان آخر: القطاع المصرفي.

فإذا بدأت الولايات المتحدة بتوسيع العقوبات الثانوية على الشركات والمصارف التي تتعامل مع إيران، فإن البنوك العالمية قد تصبح أكثر حذراً في التعامل مع المؤسسات العراقية.

ولأن البنوك الدولية تعمل بمنطق تقليل المخاطر، فقد تفضّل بعض المؤسسات الأجنبية إيقاف أو تشديد علاقاتها مع بنك عراقي بدلاً من المخاطرة بعقوبات أميركية.

وهنا تظهر ظاهرة تعرف عملياً بـ De-risking، أي انسحاب البنوك الدولية من العلاقات المصرفية عالية المخاطر.

والنتيجة المحتملة:

- ارتفاع كلفة التحويلات الخارجية.

- تشديد إجراءات فتح الاعتمادات.

- بطء تمويل التجارة والاستيراد.

- صعوبة حصول بعض الشركات على الدولار.

- زيادة الضغط على السوق الموازية.

- اتساع الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق.

- ارتفاع كلفة السلع المستوردة.

- زيادة الضغط على الاحتياطي الأجنبي.

وصندوق النقد نفسه حذّر من أن تمويل العجز نقدياً يمكن أن يغذي التضخم ويستنزف احتياطيات النقد الأجنبي ويضعف ميزانية البنك المركزي.

الاحتياطي الأجنبي… خط الدفاع الأخير

وفق تقديرات صندوق النقد، من المتوقع أن تبلغ احتياطيات العراق الإجمالية نحو 79.2 مليار دولار في 2026، بما يعادل قرابة 9.6 أشهر من الواردات.

وهذا يمنح العراق هامش أمان، لكنه ليس شيكاً مفتوحاً.

فإذا تزامنت صدمة خارجية مع عجز مالي كبير، وتراجع في أسعار النفط أو الصادرات، وضغط على التحويلات بالدولار، فقد يبدأ الاحتياطي بالانخفاض تدريجياً.

وعندما ينخفض الاحتياطي ويزداد الطلب على الدولار في الوقت نفسه، تصبح مهمة البنك المركزي أكثر صعوبة.

وهنا يمكن أن تنتقل الأزمة من المصارف إلى سعر الصرف والأسعار والمواطن.

المواطن هو الحلقة الأخيرة في سلسلة العقوبات

قد تبدأ العقوبة في واشنطن، وتصل إلى بنك في بغداد، ثم شركة استيراد، ثم تاجر، وفي النهاية إلى جيب المواطن.

فإذا ارتفعت تكلفة التحويلات أو الاستيراد، فإن التاجر سيحمّل جزءاً من الزيادة على سعر السلعة.

وإذا ارتفع الدولار في السوق الموازية، سترتفع كلفة السلع والخدمات المستوردة.

وإذا تراجعت الإيرادات الحكومية، فقد تتعرض المشاريع الاستثمارية إلى التأجيل، وقد تضطر الدولة إلى زيادة الاقتراض أو تقليص الإنفاق.

وبذلك تتحول الحرب المالية غير المباشرة إلى:

ارتفاع أسعار + تباطؤ استثمار + ضغط على الموازنة + ضعف ثقة + ضغط على الدينار.

لكن هناك سيناريو آخر

ليس بالضرورة أن تؤدي العقوبات إلى انهيار الاقتصاد العراقي.

العراق يمتلك احتياطيات مهمة، وإيرادات نفطية كبيرة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وسوقاً واسعة، ويمكنه تقليل المخاطر إذا تعامل معها باعتبارها مشكلة دولة وليست مشكلة حزب أو حكومة أو مصرف واحد.

المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، ولا التحول إلى تابع لأي طرف.

المطلوب هو الحياد الاقتصادي الذكي.

وهذا يعني:

أولاً، منع استخدام المصارف العراقية كقنوات للالتفاف على العقوبات.

ثانياً، تشديد الرقابة على التحويلات الخارجية وشركات الصرافة دون خنق الاقتصاد الشرعي.

ثالثاً، حماية المصارف العراقية السليمة من العقوبات عبر الالتزام الصارم بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

رابعاً، تسريع إصلاح القطاع المصرفي وربطه بصورة أكبر بالنظام المصرفي العالمي.

خامساً، تقليل الاعتماد على إيران في استيراد الطاقة، ليس لأسباب سياسية فقط، وإنما لأن أمن الطاقة يجب أن يكون جزءاً من الأمن الوطني.

سادساً، تنويع طرق تصدير النفط حتى لا يبقى العراق رهينة لأي ممر بحري أو جغرافي واحد.

وسابعاً، والأهم، البدء فعلياً بتنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية.

العراق يحتاج إلى خطة طوارئ مالية

العراق لا يستطيع أن ينتظر حتى تفرض العقوبات على أحد مصارفه ثم يبدأ بالتفاوض.

يحتاج الآن إلى خطة طوارئ مالية واقتصادية تتضمن ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: تصعيد محدود

تبقى التجارة مع إيران قائمة، لكن بتكاليف أعلى وتشدد مصرفي أكبر.

السيناريو الثاني: عقوبات ثانوية واسعة

تتعرض شركات ومصارف ووسطاء عراقيون لضغوط، وترتفع مخاطر التحويلات والدولار.

السيناريو الثالث: مواجهة إقليمية شاملة

يترافق فيها الضغط المالي مع اضطراب النفط والشحن والطاقة والتجارة، وهنا ستكون التداعيات على العراق أكبر بكثير.

ويجب أن تكون لدى الدولة إجراءات جاهزة لكل سيناريو، بدلاً من إدارة الأزمة بعد وقوعها.

لا يمكن للعراق أن يكون ساحة حرب اقتصادية

العالم يتجه إلى مرحلة يصبح فيها الدولار والبنوك والتحويلات والعقوبات أدوات من أدوات الصراع الجيوسياسي.

والولايات المتحدة تملك قوة استثنائية لأنها لا تتحكم فقط بعملتها، بل تمتلك نفوذاً هائلاً على النظام المالي العالمي.

وفي المقابل، تحاول دول أخرى بناء قنوات تجارية ومالية تقلل اعتمادها على النظام المالي الأميركي.

لكن العراق ليس في وضع يسمح له بالدخول في هذه المواجهة الكبرى.

إن مصلحة العراق ليست في كسر العقوبات الأميركية، ولا في تنفيذ أجندة أميركية، وإنما في شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:

أن يكون عراقياً في قراره المالي.

فالعراق يحتاج إلى علاقات جيدة مع واشنطن وطهران في الوقت نفسه، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى مؤسسات مالية قوية لا تسمح باستخدامها من أي طرف.

وإذا كان النفط هو شريان حياة الدولة، فإن المصارف هي شرايين الاقتصاد الحديث.

وإذا قُطع النفط أو تعطلت المصارف، فلن يكون المواطن معنياً كثيراً بمن انتصر في المعركة الجيوسياسية؛ لأنه سيكون هو من يدفع الفاتورة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:

هل تستطيع أميركا خنق إيران؟

بل:

هل يستطيع العراق أن يمنع صراع أميركا وإيران من خنق اقتصاده؟

والإجابة لن تكون بالتصريحات السياسية، ولا بالشعارات، ولا بالانحياز إلى محور ضد آخر.

الإجابة تبدأ من دولة تسيطر على أموالها، ومصارفها، وحدودها، وتحويلاتها، وقرارها الاقتصادي.

ففي عالم أصبحت فيه العقوبات سلاحاً، أصبح الاستقلال المالي جزءاً من السيادة الوطنية.

والعراق الذي لا يستعد لهذه المرحلة اليوم، قد يجد نفسه غداً يدفع ثمن حرب لم يخترها، وأزمة لم يصنعها، وعقوبات لم تكن موجهة إليه أصلاً.

 

 

رئيس مجلس الخبراء العراقي


مشاهدات 50
الكاتب ضياء واجد المهندس
أضيف 2026/08/26 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 34675 الكلي 16124379
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير