الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
للزمن رسائل لا يفهمها إلا الحكماء

بواسطة azzaman

للزمن رسائل لا يفهمها إلا الحكماء

إبراهيم المحجوب

 

‏للزمن رسائل لا يفهمها إلا الحكماء، رسائل لا تأتي مكتوبة على ورق، وإنما تكتبها الأيام في ذاكرة الإنسان، وتتركها المواقف والتجارب دروسا لا تنسى.

‏لقد تعلمنا من حياتنا الريفية أن الصبر والقيم الأخلاقية يتعلمها الإنسان من البيئة التي يسكنها، ومن الناس الذين يعيش بينهم. ففي الريف تعلمنا معنى التعاون، والكرم، والوفاء، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والوقوف إلى جانب الجار في السراء والضراء. كانت الحياة بسيطة، لكنها كانت غنية بالقيم والمبادئ، وكان الإنسان يتعلم من أسرته ومجتمعه قبل أن يتعلم من الكتب.

‏وتعلمنا من المدارس أن حروف الأبجدية سوف تنقلنا إلى عالم الثقافة الحياتية، وأن القلم يمكن أن يفتح أمام الإنسان أبوابا واسعة نحو المعرفة. فالحروف التي تعلمناها في الصفوف الأولى لم تكن مجرد أشكال نكتبها ونقرأها، بل كانت مفاتيح لعالم جديد، جعلتنا نقرأ التاريخ، ونتعرف إلى الأدب، ونفهم الحياة، ونكتشف أن المعرفة رحلة لا تنتهي..‏وهكذا اجتمعت في حياتنا مدرستان؛ مدرسة الريف التي علمتنا الأخلاق والقيم والصبر، ومدرسة العلم التي علمتنا القراءة والكتابة والمعرفة. وبين المدرستين تشكلت شخصيتنا، فأصبحنا نعرف أن العلم بلا أخلاق قد يفقد معناه، وأن الأخلاق إذا لم تسندها المعرفة قد تبقى محدودة الأثر.

‏ومع مرور السنوات أدركنا أن أجمل ما يحمله الإنسان معه في رحلة العمر ليس المال ولا المناصب، وإنما ما زرعه في قلوب الآخرين من محبة، وما تركه من أثر طيب، وما اكتسبه من علم وتجربة وحكمة.

‏لقد علمتنا الحياة أن الإنسان قد يبدأ طريقه من بيت بسيط في قرية صغيرة، لكنه يستطيع أن يصل بفكره وطموحه إلى أماكن بعيدة. فالمكان الذي نولد فيه لا يحدد قيمة الإنسان، وإنما الذي يحدد قيمته ما يحمله في قلبه من أخلاق، وما يحمله في عقله من علم، وما يقدمه للآخرين من خير. ‏والزمن، بعد كل هذه السنوات، يعيد قراءة صفحات حياتنا أمامنا. يجعلنا نفهم أن بعض الصعوبات كانت دروسا، وأن بعض الخسارات كانت بداية لطرق جديدة، وأن الأشخاص الذين مروا في حياتنا تركوا لنا شيئا؛ بعضهم ترك ذكرى جميلة، وبعضهم ترك تجربة، وبعضهم ترك درسا لن ننساه.. ‏فالحياة ليست سنوات تمر فقط، وإنما مدرسة كبيرة نتعلم فيها كل يوم. وكلما تقدم بنا العمر، اكتشفنا أن الحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في فهم ما تقوله لنا الأيام. ‏لذلك علينا أن نحافظ على القيم التي تربينا عليها، وأن نتمسك بالعلم الذي تعلمناه، وأن ننقل إلى أبنائنا ما تعلمناه من الريف والمدرسة والحياة؛ لأن الأجيال لا ترث الأموال وحدها، وإنما ترث أيضا الأخلاق والتجارب والذكريات.

‏فالزمن يكتب رسائله للجميع، لكن الحكماء وحدهم يعرفون كيف يقرأونها، وكيف يحولون تجارب الأمس إلى حكمة تنير طريق الغد.

 

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 13
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/08/26 - 1:43 PM
آخر تحديث 2026/08/27 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 170 الشهر 34735 الكلي 16124439
الوقت الآن
الخميس 2026/8/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير