الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذنون.. أنامل تنقش على الحجر وعقل يحقّق المخطوطات

بواسطة azzaman

ذنون.. أنامل تنقش على الحجر وعقل يحقّق بالمخطوطات

 

بغداد - علي الدليمي

حين أفل نجم يوسف ذنون قبل خمس سنوات، ودّعت حركة الخط العربي في العراق أحد أعمدتها التي لا تتكرر كثيراً، لم يكن رحيله فقدان خطاط بارع فحسب، بل غياب مؤرخ وباحث ومعلّم جمع بين أنامل تنقش على الحجر وبين عقل يحقق المخطوطات ويؤسس للمنهج. ولد ونشأ في الموصل عام 1931، وتخرج في دار المعلمين سنة 1951 حاملاً موهبة فطرية دفعته إلى الرسم وتقليد الحروف الجميلة، لكنه لم يكتف بالمحاكاة بل بحث عن الأصول في بطون الكتب النادرة، ثم سافر إلى تركيا ليلتقي حامد الآمدي الذي منحه الإجازة عام 1966، وعاد بعدها ليحصل على إجازة ثانية تؤكد أن ما يقدمه ليس تقليداً بل استنباطاً. ومنذ 1962 بدأ يختبر طرائق جديدة في تعليم الخط، طبقها أولاً في دورات برعايته، ثم داخل معاهد المعلمين حيث كان مشرفاً، فخلق جيلاً يرى في القلم امتداداً للفكر لا زخرفة على الورق. تميز ذنون بأنه جمع ما ندر اجتماعه: الإبداع التطبيقي والعطاء النظري، نقش آياته وزخارفه على جوامع وكنائس الموصل فجعل من المدينة متحفاً مفتوحاً، وفي الوقت نفسه جلس إلى المخطوطات محققاً ومدققاً كان يرى أن التحقيق لا يتم إلا بثلاثة: موسوعية المؤرخ، ومعرفة الباحث بنشأة الخط وتطوره وقراءته، ومنهجية مستمدة من علماء الحديث والدراسات القديمة.

بهذه الرؤية حوّل الخط من حرف جميل إلى وثيقة تاريخية تُقرأ وتُفهم، انطلق من محورين أساسيين في مسيرته: تعلم الكتابة والقراءة كأساس، ثم الانتقال إلى البعد الفني كضرورة، وأصرّ على أن إتقان الخط لا يتوقف عند حد، لأنه فن في تطور دائم. من هذا الإصرار ولدت مدرسته التي لم تحبس نفسها في الموصل بل امتدت عبر الدورات المركزية إلى عموم العراق، ثم تجاوزت الحدود، فصار لتلامذته حضور في الأردن واليمن وتونس والمغرب ومصر وسوريا، وفي مدن أمريكية وأوربية. أسماء كثيرة مرّت من بين يديه، من اياد الحسيني وعلي الراوي وعباس الطائي إلى فرح وجنة عدنان وباسم ذنون، ومن أربيل إلى بغداد حيث تتلمذ عليه عبد الرضا جاسم القرملي وغيره.

كان ذنون حريصاً على ألا يقتل التكرار روح الإبداع، فاتجه مبكراً إلى الحاسوب، ابتكر فونتات خاصة به، وزود بها مشاريع رقمية كان أبرزها المصحف الإلكتروني الذي اعتُبرت خطوطه من أجمل ما أنتجته التقنية في ذلك الحين، وفي موازاة ذلك انشغل بعمارة الموصل، إسلامية ومسيحية على حد سواء.. درس دير مار متى ومار بهنام وميخائيل والسيدة في القوش والربان هرمزد وكنائس مار أحودامه ومار إشعيا، لا بدافع فضول أثري، بل لأن الحرف عنده لا ينفصل عن المكان الذي يسكنه. الموصل التي أنجبت ياقوت الموصلي وخليل خدادة ونعمان الذكائي وصالح السعدي ومحمد صالح الموصلي، قدمت في النصف الثاني من القرن العشرين رجلاً أعاد للخط هيبته بين الناس، لم يكتف بأن يكون خطاطاً، بل صار مرجعاً يُسأل، وموسوعة يُرجع إليها، ومدرسة يُحتذى بها.. لذلك لم تكن دراسته مجرد سيرة شخصية، بل توثيقا لنهضة الخط المعاصرة في المدينة وامتدادها عبر معارض ودورات لم تتوقف إلى اليوم. يوسف ذنون رحل بجسده، لكنه ترك خلفه أثرين لا يمحوهما الزمن: حروف منقوشة على جدران المدينة، ومنهجاً في التعليم والتحقيق ما زال يدرّس.. وفي ذلك وحده تكفي الشهادة على أن الخط عنده لم يكن مهنة، بل أمانة.


مشاهدات 60
أضيف 2026/08/10 - 2:58 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 7:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 386 الشهر 11409 الكلي 16101113
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير