الشركات الرقمية وسيلة الموساد في إختراق إنتخابات الدول
حسن عبيد عيسى
لم يكن طوفان الأقصى حدثاً محدود الزمكانية ..فلقد كان تأثيره من حيث المكان عالمياً خصوصاً بعد أن تبلورت معالم الإبادة الجماعية التي شرع بها جيش الإحتلال تجاه سكان غزة ،سواء بالقتل بمختلف أنواع الأسلحة النارية ، أو عن طريق التجويع..أما زمانيا فمازالت معالم تأثيره تتفاقم وستبقى من الأحداث التاريخية الفارقة.
كان من شأن ذلك إحداث تغيير جذري في مواقف العديد من الدول ، والشعوب والمنظمات ذات التأثير العالمي ..حتى إن بعض الدول التي كانت ترتبط بعلاقات وطيدة مع الكيان الغاصب، فإنها تحللت من التزاماتها تجاهه وصارت تدين مواقفه وتسجل مواقف مشرفة في رفض الإبادة، ودعم الشعب الفلسطيني .
لقد رأت حكومة نتنياهو أنها تخسر الكثير من مواقع نفوذها في العالم..ما حملها على أن تعد الخطط الكفيلة بمعالجة الأمر ..وكانت أهم تلك الخطط النفوذ الى هيكليات تلك الدول وتغييرها عن طريق (الديمقراطية) ، من خلال التلاعب بإنتخابات تلك الدول أو التأثير عليها ..
صالح الكيان الغاصب
ونحن اليوم نعيش أجواء واحد من تلك الإجراءات ،وهو التغيير الذي حصل في كولومبيا لصالح الكيان الغاصب حيث تقرر ارتقاء الرئيس الذي أعلن فوزه بالانتخابات يوم السابع من آب 2026 كرسي الحكم ..فماذا حصل ؟..وكيف حصل؟..
لقد كان يحكم كولومبيا رئيس يساري هو غوستاف بيترو ،وكانت جرائم الإبادة التي ينفذها جيش الإحتلال وراء إقدام هذا الرئيس على قطع العلاقات مع الكيان عام 2024 ،ثم قام بحظر تصدير الفحم اليه عام 2025..وبذا فإنه نصب نفسه هدفاً للموساد ،يتربص به الدوائر..لذا فإن بيترو لمس ما يدل على وجود خطط للموساد للتدخل في الإنتخابات منذ ثلاثة أشهر قبل إجرائها.
ولأن الدستور يحدد ولاية الرئيس بأربع سنوات غير قابلة للتجديد ،فإنه إختار حليفاً له ذا باع طويل في مجال السياسة ،من حزبه ويتماهى معه في توجهاته ،هو السيناتور إيفان سيبيدا من حزب الميثاق الحاكم ليخوض الإنتخابات الرئاسية ضد المرشح اليميني أبيلاردو لا أسبريلا مرشح حركة المدافعين عن الوطن في 31 مايو 2026.. ولما كان التنافس بينهما محتدماً ،فقد تساويا في عدد الأصوات ،مما حدا باللجنة الوطنية للانتخابات الى القرار على إجراء جولة ثانية ،وكانت النتيجة المعلنة فوز المرشح اليميني متفوقاً على منافسه اليساري بنسبة 1بالمئة .وسرعان ما أعلنت جهات رقابية أوربية وأميركية ساهمت بمراقبة الإنتخابات بنزاهتها وموافقتها للمعايير الديمقراطية فيما انهالت رسائل التهنئة على اسبريلا من نتنياهو وترامب ومن سار على دربهما.المرشح الذي أعلن عن فوزه بالانتخابات أبيلاردو لا أسبريلا يميني حد النخاع ،فهو ملياردير ،ويحمل الجنسية الأميركية ،ولقد جعل من التجمعات السكنية اليهودية في البلاد محطات رئيسة في حملته الإنتخابية ،ومن هناك أطلق وعوداً كثيرة ،منها إعادته العلاقات الدبلوماسية مع الكيان ،و نقله لسفارة كولومبيا الى القدس في حالة فوزه ،وإن الحكومة التي سيشكلها ستدافع عما أسماه بالمبادئ اليهودية المسيحية المشتركة والتراث اليهودي المسيحي .
تعددت صور تدخل الموساد في الانتخابات الكولمبية ،كما بيّن بيترو ،فهي تقنية بالدرجة الأولى من خلال إختراق البرنامج المعد للإنتخابات ما أتاح لهم التلاعب المتعمد والمؤثر في عناوين IP لعدد من خوادم تابعة للسجل الوطني مع وجود أدلة عند فريق بيترو يثبت ذلك ،وإن الجهة الوحيدة القادرة على فعل ذلك الإختراق والتلاعب هو (إسرائيل) كما ورد في خطاب بيترو. إضافة الى ذلك ،ولغرض ضمان التأثير الأكبر ، فإن جهة متخصصة عمدت الى «إعادة كتابة بيانات التصويت في نماذج E-14 في المراكز الانتخابية .. وحتى يعزز الرئيس أدلته والحرص على سلامة سير العملية ،فإنه طالب بإستعادة «البصمة الرقمية لجميع الوثائق المرسلة رقمياً ،إلا أن اللجنة الوطنية تجاهلت طلبه !!.
فإذا كان الموساد قد أثر تأثيراً فاعلاً في إنتخابات كولومبيا عن طريق إختراق البرنامج الرقمي والتلاعب بعناوين IP للخوادم ،فإنه اشتغل في انتخابات سلوفينيا بطريقة أخرى كما سنرى..
إختراق الإنتخابات الفرنسية
وإذا كانت كولومبيا دولة نامية تعاني من قلة الإلمام ببرامجيات الإنتخابات المُعقدة ،ناهيك عن الفقر الذي يجعل الغالبية من الشعب لا يدركون حقيقة ذلك التلاعب ،فإن الولايات المتحدة وفرنسا وهما من دول القمة في مجالات الوعي الرقمي والثقافة والرقي الحضاري.
فإن مارك أنطوان بريلان ،رئيس الوكالة الوطنية لرصد ومكافحة التدخل الرقمي الأجنبي والمعلومات المضللة ،اتهم في مؤتمر صحفي شركة إسرائيلية بالتدخل في الانتخابات البلدية ببلاده وبلدان أخرى..وكان رئيس وزراء فرنسا حاضراً في المؤتمر.
تلك الشركة الضالعة في جرائم التزوير وتغيير النتائج ،هي شركة (بلاك كور) التي اتهمها بريلان بالتدخل الرقمي في إنتخابات دول عديدة ،منها بلاده فرنسا عندما أجرت إنتخابات بلدية في آذار الماضي .
فالشركة المذكورة إستهدفت مرشحي حزب (فرنسا الأبية) المُندّد بجرائم الإحتلال والداعم لسكان غزة ضد الإبادة الجماعية ..وبعد التحري الدقيق وإستخدام كل المساعدات الرقمية تمكنت الجهات المكلفة بالكشف عن الحقائق ، من التوصل الى وجود صلة لشركة تمارس التأثير الرقمي بذلك الاستهداف ،وقاد التحري الى أن مقر الشركة المشتبه بها في (إسرائيل)..لذا وجه رئيس وزراء فرنسا للإستفسار من (سرائيل)عن نشاطات شركة بلاك كور في الأراضي الفرنسية.
وأعلن ذلك في المؤتمر الصحفي الذي أشرنا له آنفاً ،وتساءل في المؤتمر نفسه عن رد فعل (إسرائيل) لو أن شركة فرنسية فعلت في الأرض المحتلة ما فعلته شركتهم هنا؟..عموماً فقد تسبب ما حصل في ظهور مخاوف مشروعة بخصوص إختراق الإنتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستقام في العام القادم .
لقد ثبت للجهات الفرنسية الرسمية وأخرى غير رسمية أن شركة بلاك كور إستهدفت إنتخابات دول أخرى ،منها انتخابات عمدة نيويورك بهدف الحيلولة دون ارتقاء زهران ممداني في انتخابات عام 2025 كونه مناصراً وداعماً لقضية غزة ومندداً قوياً بالإبادة التي يرتكبها جيش الإحتلال منذ بدايتها عام 2023.. وكذلك انتخابات أنغولا وتوغو وإسكتلندا وغيرها ، إذ كشفت وكالة فيجينوم المهتمة بكشف المصادر والمعلومات المنشورة المضللة أن جون سويني رئيس وزراء أسكتلندا كان هدفاً لشركة بلاك كور (الإسرائيلية) ،إذ سبق وإن وصف ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية ،وطالب بفرض عقوبات ورحب بالتوجه الدولي صوب الإعتراف بدولة فلسطين لحماية الشعب الفلسطيني..لذا كان لابد من معاقبته ،فكانت هذه الشركة له بالمرصاد.
لقد لفت هذا الدور الدولي للشركة ،أنظار جهات إعلامية مهمة ،فقد وجهت رويترز سؤالاً الى الشركة ،صيغته: من أنتم؟..فأجابت الشركة «نحن شركة نخبة متخصصة في التأثير والأنشطة الألكترونية والتكنولوجيا ،إنشئت لعصر حرب المعلومات الحديث»..وزعمت أنها «تزود الحكومات والحملات السياسية بإستراتيجيات متطورة وأدوات متقدمة ودعماً قوياً لتشكيل السرديات «..ولكن هذه الشركة بعد رأت أنها صارت عرضة للإنتقادات ،ومادة للمحللين ، توارت عن الأنظار لتحد من حضورها العلني ،إذ قامت بحذف أي نشاط لها على الإنترنيت كما ذكرت أندبندت عربية .
النجاح في سلوفينيا
كما نجحت جهات يسيرها الموساد في خرق وحرف الإنتخابات الكولومبية عن مسارها الديمقراطي وتسييرها لتخدم الكيان ،والتي عجزت السلطات الكولمبية عن تسمية تلك الجهات لضعف قدراتها في كشفها ومتابعتها وإن نجحت في معرفة عائديتها الى ذلك الكيان..فإن سلوفينيا شَخَّصَت وسَمَّت الجهات الأجنبية المتلاعبة بالأمن السيبراني في سلوفينيا كونها أكثر وعياً وإدراكاً وقدرة على كشف إمتدادات جهات مماثلة نجحت في إختراق الإنتخابات النيابية السلوفينية وحققت تغييراً في نتائجها..
فلقد نشرت RT تقريراً مفصلاً عن المُكعب الأسود Black Cube ،الذي استعانت به الموساد في التجسس ،فما هو هذا المُكعب الأسود وما دوره في إنتخابات سلوفينيا؟.
المكعب الأسود كما يوضح موقع THE TIMES OF ISRAEL شركة أسسها ضباط موساد سابقون ،واشتهرت عالمياً بدورها في تشويه سمعة الإدارة الأميركية في عهد أوباما لدورها في عقد الإتفاق النووي مع ايران..وقامت الشركة بأعمال سرية مشبوهة في دول عديدة ،لذا فإنها سبق وإن أقامت دعاوى قضائية على جهات إعلامية فضحت بعض تلك الأعمال.
وعلى أساس المهام التي قررتها الشركة لنفسها ،فإن جهات متنفذة في حكومة نتنياهو تعاقدت مع الشركة لقيامها بالتجسس على شخصيات مهمة داخل الكيان وخارجه ،وكانت وزارة الدفاع من بين تلك الجهات التي استفادت من خدماتها على الرغم من انها تمتلك أجهزة إستخباراتية عديدة ،متطورة وذات خبرات متفوقة. فما رشح من خلال تلك العقود وطبيعتها وهويات الأفراد الأهداف هو إبتزاز هؤلاء .
فمؤسسا الشركة التي بدأت بممارسة أعمالها سنة 2010 ،ضابطا الموساد السابقان ،دان زوريلا وآفي يانوس . وإنها تعرّف نفسها بكونها شركة توظف ضباط موساد سابقين ، وتمارس تنفيذ مهام نيابة عن عملائها ،فهي إذن شركة تجسس خاصة تمارس العمل في عدد كبير من البلدان ، بعضها معلن كالإرجنتين والكونغو ورومانيا ،وبعضها الآخر مازال طي الكتمان بسبب طبيعة عمل الشركة في تلك البلدان .فمن حديث لناتاشا بيرتس موسار رئيسة سلوفينا خلال لقاء لها مع مذيع قناة الجزيرة ،أعلنت أن تلك الشركة مارست أعمالاً مشينة في سلوفينيا ،كالتدخلات في إنتخابات دول عديدة ،منها بلدها سلوفينيا كما سنرى ذلك مفصلا ،وفي المجر وقبرص وبريطانيا ،وإن وجود هذه الشركة في سلوفينيا وممارستها العمل الأمني حقيقة لا جدال فيها .
فماذا كانت النتيجة؟..كانت رحيل رئيس الوزراء الذي فشل في الانتخابات ،وتقويض إنجازاته وانجازات حكومته المتمثلة بالإعتراف بفلسطين كدولة ، وفرض إجراءات عقابية ضد إسرائيل. فيما تعهد اليميني الفائز بالإنتخابات يانيز يانشا في لقاء له بصحيفة إسرائيل هيوم إن حكومته ستجمّد إعتراف سلوفينيا بدولة فلسطين، وتنقل السفارة السلوفينية من تل أبيب إلى القدس.
وما أن تسلم مقاليد الحكم حتى قام بإلغاء حظر دخول نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالانت، والوزيرين الأكثر تطرفاً سمرترش وبن غفير ،ورفع القيود عن واردات المستوطنات، والغى حظر تجارة السلاح مع إسرائيل، ثم أزال العلم الفلسطيني من مبنى الحكومة مما جعله في موقع أقرب من نتنياهو وحكومته.
ورداً على بعض إجراءات رئيس الوزراء اليميني الجديد ،فقد أمرت رئيسة البلاد ناتاشا بيرتس موسار برفع العلم الفلسطيني على واجهة مبنى القصر الرئاسي وكذلك داخل مكتبها الرسمي. كما أوعزت بإجراء تحقيق عن الدور الذي لعبته الشركة التي يديرها الموساد في إنتخابات سلوفينيا.
الانتخابات العراقية
لاجدال في أن العراق غير متمكن رقمياً ،وإنه يركن الى بعض الدول لإنجاز برمجيات الإنتخابات الى يجريها ،فما هو مؤكد ، أن الجهات المسؤولة في الانتخابات ركنت الى شركة دارك ماتر الإماراتية للحصول على الدعم الفني والأمن الرقمي السيبراني في إنتخابات 2021 وهي شركة لم يكن عمرها تجاوز السبع سنين (تأسست في 2014).
ما أثير وقتها أن طرفاً ثالثاً إخترق سيرفرات الشركة ،وأنه حصل على ملفات تسعة ملايين وخمسمائة ألف ناخب عراقي ،وقد إستغل البعض ذلك بإتجاه التأكيد على أن الإنتخابات مخترقة وغير نزيهة..
في حينه نجح البعض في تتبع إمتداد رقم هاتف الجهة المُنفذة للخرق ،فوجدت جهة التتبع أن رقم الهاتف الذي نشر الخبر على حساب في التلغرام هو رقم صادر من شركة إتصال إسرائيلية.. فهل يا ترى كان كل هذا الجهد المفضي الى هذه النتيجة المفزعة ،كان عملا فرديا ً؟. وإن كان كذلك فكيف تصرف هذا الفرد ببيانات ملايين العراقيين وما جدوى الجهد الذي بذله؟.
نجد الجواب عند ﮔﻮﮔﻞ التي تعاونت مع مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي ،وشركة لومين تكنولوجيز بهدف تفكيك شبكة بروكسي عملاقة (البروكسي :خادم ،يحتويه جهاز أونظام يتوسط للفصل بين جهازك والإنترنيت ،ينوب عنك في إرسال طلباتك الى المواقع أو يقوم بفتح المواقع المحجوبة ،مخفياً عنوان IP الخاص بك ليخفي شخصيتك )..تلك الشبكة تُدعى في بيئة الإنترنيت بإسم NetNut وتُعرف في الفضاء الألكتروني بإسم Boba..وهي تابعة لشركة (إسرائيلية)..وكما شرحنا بين القوسين ،فقد مارست الشبكة (إخفاء وتوجيه الأنشطة السيبرانية الضارة وعمليات اختراق الأجهزة، عبر تمرير حركات المرور عبر عناوين مالكي منازل عاديين لتضليل الأنظمة الأمنية)،كما ذكر موقع نون بوست الالكتروني.لذا ولتأمين سلامة وأمن الفضاء السيبراني من هذه الأعمال الخبيثة «قامت ﮔﻮﮔﻞ بتعطيل كافة الحسابات والخدمات المرتبطة بالتحكم في هذه البرمجيات الخبيثة، مما أدى إلى حرمان الشبكة المشبوهة من ملايين الأجهزة المستغَلة وإحداث شلل كبير في عملياتها التجاريّة والأمنية «.وهذا ما يفسر لنا دوافع وخفايا السطو على بينات الناخبين العراقيين في انتخابات 2021.
نجحت سيبرانياُ حيث فشلت سياسياً
كما بدأنا ،فإن طوفان الأقصى الذي كان من نتائجه الزمكانية الهائلة وغير المحصورة بحيز محدود ،شيطنة الكيان المحتل ،ونفور دول العالم التي يقودها سياسيون وطنيون لم يفرطوا بضمائرهم وإستقلالية أوطانهم ،مما سُجل كفشل ذريع لنتنياهو وحكومته ،الا أن هذا الرجل المشهور بلعبه تحت الطاولة ،وفي الظلام ،نجح في المجال السيبراني ما عوض عن فشله في الإحتفاظ به سياسياً..