نبض القلم
ثمن الجهل أغلى
طالب سعدون
التعليم في اي بلد يعكس طموحات وامال شعبه وفلسفته ومستوى تطورة . ويمكن ان تعرف جودة التعليم ببساطة من مستوى الطالب العلمي ، والمعايير والوسائل العلمية والتربوية ومستلزماتها التي تتبع في اعداده ليكون بمستوى ما تخطط له الدولة وتجاوز كل المفاهيم القديمة ، بتأسيس نظام تعليمي متطور في المناهج والطرق التعليمية على مختلف المراحل ، فاليابان مثلا استطاعت من خلال التعليم ، ليس فقط تجاوز الهزيمة في الحرب العالمية الثانية ، وإنما أن تكون من الدول المتقدمة من خلال التعليم وربطه بحركة التطور وبناء إنسان ارتقى بها لتكون بهذا المستوى ، فاصبحت التنمية الاقتصادية وتطورالتنمية البشرية مترابطتين من خلال التعليم ويكونا من اهم الركائز والقيم الوطنية عند اليابانيين وهدفا رئيسيا للنخب السياسية والتعليمية بمختلف مراحل التعليم .
هناك مقولة جميلة تغني عن الشرح والتوضيح ، تنطق حروف كلماتها بمعناها عن دورالتعليم في البناء والتطوروحياة الشعوب ومستقبلها وصناعة الاجيال وكيف تصنع مكانتها بين الامم ..
المقولة للكاتب الامريكي ( روبرت أوربن) ) اذا كانت تكلفة العلم كبيرة، فإن تكلفة الجهل أكبر) تدفعها الاجيال وتحرم البلاد من عطاء ابنائها وهم ثروتها الحقيقية التي لا تنضب، ومن يظن ان كلفة العلم والتعليم عالية فهو لامحال سيدفع فاتورة الجهل اضعافا مضاعفة في المال والتطور .
هذه المقولة حضرتني وانا اتابع ردود الافعال الكبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام و تعليقات التربويين واهالي الطلاب عن تأخر موعد بداية العام الدراسي هذا العالم .
وحسنا فعلت الوزارة بان تراجعت عن الموعد الجديد ، لكنها كشفت في الوقت نفسه تأثر القرارات بردود الافعال وليس وفق دراسة واكدت حقيقة عدم الاستعداد للعام الدراسي قبل وقت كاف مما يخلق ارباكا في العملية التربوية، في اكمال المناهج واستيعاب الطالب ، ولها خطة عملية لتجاوزه وتطوير البنى التحتية للمدارس من ابنية وخدمات توفربيئة مناسبة للطالب ، اما النشاطات اللاصفية كالمكتبة والمرسم ومكان مناسب للرياضة والفنون ومختبرات للعلوم تواكب التطور، فيبدو انها اصبحت من الكماليات ، وبذلك غاب الجانب الاخر من التعليم واقتصر على ( الابجدية ) الطريقة التقليدية دون مراعاة مستوى التطور في التعليم في العالم المتقدم ، وهذه مشكلة كبيرة تعاني منها اغلب الدول النامية التي لا تدرس المستقبل وتواكب سرعته في بناء واقعه الجديد ، وما ينبغي ان يتعلمه الطالب ليواكب تطور العلم ، بل حركته ثابتة ان لم تكن في تأخر .
في التربية والتعليم اصبحت التكنلوجيا اليوم جزءا من عملية تطوره ، فالذكاء الصناعي مثلا دخل ميادين مختلفة في الحياة العملية في العالم في الصيدلة والطب والزراعة والطائرات والريبورتات والحاسبات والعلوم الانسانية الخ ، فاين وصلت جامعاتنا في هذا الميدان ، ولا اقول مدارسنا لانها لا تزال في مرحلة ( الابجدية ) ومناهجها ثابتة لم تواكب حركة التطور في الحاضر ولا حركة العلم السريعة والمستقبل الذي يصنع واقعا مختلفا جدا؟
التطور العام في اي بلاد في الدنيا المتقدمة مسؤولية التربية والتعليم في الدرجة الاساس ، في العالم المتقدم ليس مهما ان يحصل الطالب على شهادة بل يجب ان تكون شهادته تواكب الحاضروالمستقبل وحركة السوق وحاجته المتطورة مع تطور العلم وحال البلاد ، وهي المهمة الاساسية للجامعات والمعاهد والمدارس في تأهيل الطالب لهذه المهمة المتحركة الى امام بسرعة كبيرة ، ولذلك ترصد الدول المتقدمة موازنات كبيرة للتعليم .. فعندما سئلت المستشارة الالمانية السابقة انجيلا ميركل عن سبب اعطائها التعليم اهمية خاصة وتخصيص ميزانية له في سنوات حكمها قالت : لان ثمن الجهل اغلى .
العالم المتقدم جعل الذكاء الصناعي من اساسيات التعليم ومناهجه وجزءا من حركة التطور ليس في الجامعات وانما امتد الى المدارس ايضا لاعداد الطالب مبكرا لمستقبله ورسم خارطة تعليمية تناسبه مثل زيادة التخصصات المهمة وحذف ما لم يناسب التطور والمستقبل ، فالولايات المتحدة على سبيل المثال زادت التخصصات في الذكاء الصناعي الى 74 تخصصا رئيسيا و89 تخصصا فرعيا بعد ان كانت خمس جامعات فقط تقدم هذا التخصص ، وقس على ذلك الصين ايضا فقد الغت تخصصات لم تواكب التطورواضافت تخصصات اخرى جديدة وكذلك اليابان وغيرهما .
التعليم يمثل ( عقل البلاد ) واساس التطورفيها وقوتها التي تبدا من الاسس التي تقوم عليها مدارس الصغار صعودا الى الجامعات لبناء اجيال تواكب حركة العلم والمستقبل وصورته ولذلك ترى الدول المتقدمة ترصد موازنات كبيرة خاصة للتعليم ..
ومن هنا تصبح ضرورة وطنية انشاء مجلس اعلى للتعليم يضم متخصصين من مختلف والقطاعات اسوة بالمجالس الوطنية الاخرى في البلاد ، لان التعليم هو المترجم التطبيقي لكل التخصصات والمهمات والواجبات الوطنية في البلاد وحمايتها .
الخلاصة : التعليم يرتقي في الاهمية ليكون بمستوى مهمة سيادية تتطلب موازنة خاصة تناسب مهمته بانشاء ثروة بشرية هي الاغلى والابقى وتطورها لتقوم بواجباتها في كل التخصصات والاعمال الوطنية في الدفاع والبناء ومواكبة العلوم المستقبلية وهي في تطور هائل لكي نكون مشاركين في حركة التطور وليس متلقين فقط .
كلام مفيد :
التعليم كالماء والهواء حق لكل انسان .. اطلق طه حسين هذه العبارة الشهيرة عام 1950 عندما تولى منصب وزير المعارف ( التعليم ) في مصر .