الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بلقنة العراق..  دلالة المصطلح ومخاطر تفكّك القرار السيادي

← بواسطة azzaman

بلقنة العراق..  دلالة المصطلح ومخاطر تفكّك القرار السيادي

صباح نوري العجيلي

 

أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 23 أيلول/سبتمبر 2026، طرح مصطلح «بلقنة العراق» في سياق حديثه عن ضرورة نزع سلاح الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً دعم واشنطن للحكومة العراقية في تحقيق هذا الهدف.

ولم يكن استخدام هذا المصطلح عابراً؛ إذ إن «البلقنة» تحمل في الأدبيات السياسية والاستراتيجية معنى أوسع من مجرد الانقسام السياسي، فهي تشير إلى تحول الدولة الواحدة إلى مناطق أو كيانات متعددة، تتنافس فيها قوى محلية مسلحة على النفوذ والقرار، وقد تتداخل فيها الاعتبارات الطائفية أو القومية أو السياسية مع مصالح قوى إقليمية ودولية.

ومن هنا تكتسب عبارة روبيو أهمية خاصة بالنسبة للعراق، لأنها تربط بين قضية السلاح خارج إطار الدولة وبين مستقبل الدولة العراقية نفسها. فالمشكلة، وفق هذا التصور، لا تتعلق فقط بوجود تشكيلات مسلحة، وإنما بما يمكن أن ينتج عن استمرار تعدد مراكز القوة من إضعاف لسلطة الحكومة المركزية وتعدد في مراكز القرار الأمني والعسكري.

 من حصر السلاح إلى وحدة الدولة

 إن الدولة الحديثة تقوم، في أحد أهم مرتكزاتها، على احتكار الاستخدام المشروع للقوة من خلال مؤسساتها العسكرية والأمنية والقضائية. وعندما توجد قوى مسلحة تمتلك قرارها وسلاحها وقدرتها على الحركة خارج منظومة القيادة والسيطرة الحكومية، فإن ذلك يخلق بالضرورة ازدواجية في القوة ومراكز القرار.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن العراق يتجه حتماً إلى التقسيم الجغرافي أو إنشاء دويلات مستقلة، فمصطلح «البلقنة» يمكن أن يُستخدم أيضاً لوصف التفكك الفعلي للسلطة والسيادة من دون تغيير الحدود الرسمية للدولة.

 وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية؛ فقد تبقى خريطة العراق السياسية والجغرافية موحدة، بينما تصبح السلطة موزعة بين مؤسسات الدولة من جهة، وقوى مسلحة ذات نفوذ سياسي وأمني من جهة أخرى. وفي هذه الحالة يكون الانقسام قائماً في القرار والسيادة ومراكز القوة أكثر مما هو قائم على الحدود.

 أهمية التصريح في الوقت الراهن

 تأتي تصريحات روبيو في وقت يحتل فيه ملف حصر السلاح بيد الدولة موقعاً متقدماً في النقاش السياسي العراقي والأميركي. ولذلك فإن إدخال مصطلح «البلقنة» إلى هذا النقاش يرفع مستوى القضية من ملف أمني داخلي إلى مسألة تتصل بشكل الدولة العراقية ومستقبل نظامها الأمني والسيادي.

ومن المنظور الأميركي، يبدو أن الرسالة الأساسية هي أن استمرار تعدد القوى المسلحة قد يؤدي إلى نشوء بيئة تتراجع فيها قدرة الحكومة المركزية على فرض قرارها الأمني والعسكري، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام نفوذ متزايد للقوى المحلية والإقليمية.

 لكن من المهم التمييز بين الموقف الأميركي المعلن وبين أي استنتاج يتعلق بنيات واشنطن المستقبلية تجاه العراق. فتصريح روبيو، بحد ذاته، يؤكد دعم الحكومة العراقية وحصر السلاح بيد الدولة، ولا يثبت أن الولايات المتحدة تتبنى مشروعاً لتقسيم العراق.

 البلقنة ليست بالضرورة تقسيم الحدود:

 التجربة التاريخية التي ارتبط بها مصطلح «البلقنة» تُظهر أن التفكك قد يبدأ سياسياً وأمنياً قبل أن يتحول إلى تغيرات جغرافية أو دستورية. وقد استخدم المصطلح في نقاشات سابقة حول العراق لوصف مخاطر تفكك السلطة وتعدد مراكز القوة والصراع بين المكونات.

 وبالتالي، فإن أخطر صور البلقنة ليست بالضرورة أن تُرسم حدود جديدة على الخريطة، وإنما أن تتحول مناطق الدولة إلى مجالات نفوذ لقوى مختلفة، بحيث يصبح لكل قوة سلاحها ونفوذها وقرارها وتحالفاتها، بينما تتراجع قدرة الدولة على ممارسة سلطتها بصورة متساوية على جميع أراضيها.

وهذا النوع من التفكك أخطر من مجرد الانقسام الإداري؛ لأنه يمس جوهر السيادة الوطنية ووحدة المؤسسة العسكرية والأمنية.

 التقييم الاستراتيجي

إن استخدام وزير الخارجية الأميركي لمصطلح «بلقنة العراق» يستحق التوقف عنده، لأنه يضع قضية السلاح المنفلت في إطار استراتيجي أوسع. فالمسألة لا تتعلق فقط بنزع سلاح هذا الفصيل أو ذاك، وإنما بمستقبل الدولة العراقية كوحدة سياسية وأمنية واحدة.

 ومن هذا المنظور، فإن الدولة القوية ليست الدولة التي تمتلك أكبر عدد من القوات والأسلحة، وإنما الدولة التي يكون فيها قرار استخدام القوة موحداً، وسلسلة القيادة واضحة، والسلاح خاضعاً لسلطة دستورية واحدة.

وعليه، فإن حصر السلاح بيد الدولة يمثل، من الناحية الاستراتيجية، أحد الشروط الأساسية للحفاظ على وحدة القرار الوطني ومنع نشوء مراكز قوة موازية.

أما استمرار تعدد القوى المسلحة، مع ارتباط بعضها بمصالح سياسية أو إقليمية مختلفة، فيمكن أن يؤدي تدريجياً إلى إضعاف مركزية الدولة وتحويلها من دولة ذات قرار سيادي موحد إلى دولة تتعدد داخلها مراكز النفوذ والقرار.

ولذلك فإن «بلقنة العراق» في معناها الاستراتيجي لا تعني بالضرورة تقسيم العراق إلى دول جديدة، وإنما قد تبدأ عندما تتجزأ القـــوة والقرار والسيادة داخل الدولة الواحدة. وهذه هي النــــــــــــــقطة الأهم التي ينبغي أن تحظى بالانتباه عند قراءة تصريح روبيو.

 

 


مشاهدات 54
الكاتب صباح نوري العجيلي
أضيف 2026/09/26 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 77 الشهر 45595 الكلي 16578115
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير