الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من حلف بغداد إلى إتفاقية مكّة.. حين تدفع الدولة ثمن السلاح مرتين

بواسطة azzaman

من حلف بغداد إلى إتفاقية مكّة.. حين تدفع الدولة ثمن السلاح مرتين

كاظم نزار الركابي

 

في فجر واحد، كانت مكة تجمع ثلاث دول تحت درع مشترك، وكانت بغداد تدفع بتعزيزاتها لتمنع سلاحًا على أرضها من أن يعبر نحو جارها. هناك تتعاهد دول على أن الاعتداء على واحدة منها اعتداء على الجميع. وهنا تنتشر دولة كي تمنع قرارًا مسلحًا داخل حدودها من أن يصير حربًا خارجها.

قوة تُجمع في مكة لردع الخارج. وقوة تتحرك في بغداد لضبط الداخل.

بين الحركتين تنكشف صورة العراق في لحظته: دولة لا ينقصها السلاح، ينقصها أن ينتهي قرار السلاح كله إليها. السلاح حاضر في مؤسساتها وخارج انتظام قيادتها. والخزينة تدفع، فيما يظل القرار موزعًا. هذه عقدة اللحظة العراقية، وهذا مبتدأ الحل.

قبل أكثر من سبعين عامًا، حمل أحد أبرز ترتيبات الأمن الإقليمي اسم بغداد. وُلد حلف بغداد عام 1955 في خرائط الحرب الباردة، ودخلته بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان إلى جانب العراق. لم يكن تعبيرًا خالصًا عن إرادة عراقية مستقلة. وتبقى دلالته قائمة: كان العراق حاضرًا في هندسة أمن الإقليم باسمه ومؤسساته.

اليوم تحمل المعادلة الجديدة اسم مكة. تجمع اتفاقية الدفاع المشترك القدرة المالية والنفطية السعودية، والصناعة الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية. وتتجه سريعًا من صورة البيان إلى ملامح المؤسسة؛ إذ أُعلن أنها ستضم لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، مع فتح بابها أمام دول أخرى. العراق خارج هذه البنية حتى الآن، حاضر في بيئتها الأمنية؛ إذ نسبت الرياض هجمات إلى جماعات مسلحة عراقية، فيما قالت بغداد إن التحقيق لم يثبت انطلاقها من أراضيها.

امتحان جازان

وقبل أن يجف حبر الاتفاق، استهدفت مسيّرة حوثية مصفاة جازان، فأُخمد الحريق من دون إصابات. دخل الردع امتحانه الأول: النص يعدّ الهجوم على واحدة هجومًا على الجميع، والاستجابة المشتركة بقيت رهن التشاور. كشفت جازان أن مصادر الخطر لا تأتي من جهة واحدة، وأن الاتفاقات تُقاس بقدرتها على تحويل التضامن السياسي إلى قرار حين يقع الهجوم.

الأمس كتب الإقليم بعض أمنه باسم بغداد. واليوم بدأ يكتبه من دونها. سبعة عقود نقلت العاصمة من مقعد داخل المعادلة إلى دولة مطالبة بإثبات أن أرضها لا تُستخدم لإرباكها. وباب العودة يبدأ من سيادة الداخل.

الكلفة المزدوجة

أعلنت قيادة العمليات المشتركة أن العراق لن يكون منطلقًا لاستهداف دول الجوار، وشددت الحكومة على جاهزية القوات المسلحة لإحباط أي محاولة تهدد أمن المنطقة. وفي يوم التوقيع، جدّد رئيس الوزراء، خلال لقائه رئيس الاستخبارات السعودية، تعهّد بغداد بمنع استخدام أراضيها لاستهداف أي دولة. هنا يتجاور الضبط مع الدبلوماسية، وتظهر نافذة للانتقال من أرض تُراقب منها مصادر الخطر إلى دولة تشارك في صناعة الأمن.

حماية سيادة الجار تبدأ من استعادة الدولة كامل سيادتها، ومن منع أي جماعة من تحويل الأرض العراقية إلى منصة لحرب لم يقررها العراقيون. وتولد المفارقة حين تنفق القوات المسلحة جزءًا من قوتها لمراقبة قرار مسلح كان ينبغي أن ينتهي أصلًا إلى قيادتها. هنا تظهر “سيادة الكبح”: قدرة الدولة على منع الإرادة المسلحة الموازية من عبور الحدود أو مصادرة قرار الحرب والسلم.

الكبح قوة ضرورية. الكبح سيادة لم تكتمل. فالدولة المستقرة لا تعيش في استنفار دائم لمراقبة سلاح تموله، ولا تنشر قوة لتمنع قوة أخرى من جرها إلى الحرب. إنها تقوم على قاعدة واحدة: من يتلقى المال العام، يتلقى الأمر من الدولة وحدها.

الدولة التي تدفع راتب المقاتل، ثم تحرك الجيش والاستخبارات لمراقبة قراره، تدفع ثمن القوة مرتين: مرة في الموازنة، ومرة في الانتشار والتحسب والدبلوماسية وأضرار التصعيد. وحين تعبر المسيّرة الحدود، تتسع الكلفة لتشمل ضربة مضادة، وتوترًا سياسيًا، وخطرًا يحيط بالمدن والمنشآت والاقتصاد. ويتحمل المواطن هذه الكلفة من رغيفه وأمنه ومستقبل أبنائه، ثمنًا لقرار لم يصنعه ولم يُستشر فيه. الدولة التي تموّل القوة، ثم تموّل قوة أخرى لضبط قرارها، تنفق ميزانيتها على انقسام القيادة.

المشكلة لا تكمن في راتب منتسب الحشد، ولا في حقوق الذين استجابوا لنداء الدفاع عن العراق يوم اقترب الإرهاب من أبواب المدن. تلك حقوق وطنية صانها القانون، وتضحيات لا تتحول إلى خصومة سياسية. تبدأ المشكلة حين لا يضمن المال العام انتهاء القيادة إلى الدولة التي دفعته.

وضع قانون هيأة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 الهيأة ضمن القوات المسلحة، وربطها بالقائد العام، ونص على خضوعها للقوانين العسكرية وفك ارتباط منتسبيها بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعية. يحمل القانون معادلة عادلة: الاعتراف بالمقاتل، وصيانة حقوقه، وتوحيد قيادته. وكل مسافة بين النص والتطبيق تتحول إلى كلفة عامة.

لهذا لا يُختزل حصر السلاح في تسليم بنادق أو إغلاق مقر. السلاح منظومة تبدأ بالمستودع، وتمر بالراتب والعقد والشركة والاتصال السياسي، وتنتهي عند الجهة التي تملك إصدار الأمر. يُسلَّم السلاحُ وتبقى شبكةُ القرار في مكانها، فتتبدّل الصورة ويثبت ميزان القوة.

من الكبح إلى العقد

يمنح موعد 30 أيلول الدولة فرصة لتحويل الكبح من إجراء أمني إلى عقد سيادي. أعلن ائتلاف إدارة الدولة أن أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية بعد الموعد سيخضع لإجراءات قانون مكافحة الإرهاب. يستمد الإعلان ثقله من اتساع القوى المشاركة فيه، وتحتاج الإرادة إلى برنامج يبني مؤسسة ويصون حقوق المقاتلين.

جردة وطنية

يبدأ البرنامج بجردة وطنية واحدة للأفراد والسلاح والقيادة والمال. من تتوافر فيه شروط الخدمة العسكرية يُدمج وفق حاجة القوات المسلحة ومعايير العمر والرتبة والتدريب والانضباط. ومن لا تستوعبه الحاجة العسكرية يُمنح طريقًا كريمًا إلى الحياة المدنية، يبدأ بالتدريب وينتهي بفرصة عمل منتجة. وتُصان حقوق الشهداء والجرحى وعائلاتهم بوصفها حقوقًا وطنية ثابتة، بعيدًا عن تحويل التضحية إلى ملكية سياسية دائمة.

وتخضع الحسابات والعقود وأي نشاط اقتصادي يرتبط بالمؤسسات الأمنية للرقابة العامة. لا تكتمل وحدة السلاح مع تعدد الخزائن، ولا تستقيم القيادة الواحدة إذا بقي التمويل قادرًا على إنتاج قرار موازٍ. فمن يملك الخزينة يستطيع استبقاء السلاح، ومن يملك الراتب يستطيع منازعة الدولة حق الأمر.

قبل نهاية أيلول، تستطيع الحكومة نشر “كشف السيادة”: عدد التشكيلات التي دخلت القيادة الرسمية، وعدد الأفراد الذين دُققت سجلاتهم، ومصير الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وحجم الأموال التي انتقلت إلى حسابات خاضعة للرقابة، وبرامج الاندماج المدني لمن لا تستوعبهم المؤسسة العسكرية. عندها يتحول الموعد من إنذار سياسي إلى عقد قابل للقياس والمحاسبة، ويضيّق الرقم مساحة الروايات المتنازعة.اتفاقية مكة تذكّر العراق بأن الإقليم يعيد ترتيب قوته. وجازان تذكّر الاتفاق بأن الردع يُمتحن بعد التوقيع. والانتشار العراقي يذكّر بغداد بأن موقعها في الترتيب الجديد يبدأ من الداخل. العراق لا يعود إلى صناعة الأمن باسمه القديم وذاكرته وحدهما. يعود يوم يوحّد المال والسلاح والقيادة والقرار.يوم تعرف الخزينة لمن تدفع، ويعرف المقاتل ممن يتلقى الأمر، ويعرف المواطن من يحاسب، تتجه قوة العراق إلى حماية حدوده، وتكف الدولة عن دفع ثمن ســــــــلاحها مرتين.


مشاهدات 74
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/08/10 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 7:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 387 الشهر 11410 الكلي 16101114
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير