الرحلة الذكيّة مؤشّر الوعي وأكثر
ليث شبر
أثارت الحلقة الأولى من مشروع «الرحلة الذكية» نقاشات واسعة داخل المبادرة الوطنية للإصلاح بين عدد من التربويين والباحثين والمهتمين بالشأن التعليمي وإصلاح الدولة. وقد سرّني أن معظم النقاشات لم تنشغل بشكل الرحلة أو مواصفاتها التقنية، بل ذهبت مباشرة إلى السؤال الأهم: ماذا نريد أن نقيس في المدرسة؟
وهذا في الحقيقة هو السؤال الذي ظل غائباً عن التعليم لعقود طويلة.
استذكار المعلومات
فنحن اعتدنا أن نقيس قدرة الطالب على استذكار المعلومات، لكننا نادراً ما سألنا أنفسنا: هل نقيس ما يستحق القياس فعلاً؟
لقد بنينا أنظمة تعليمية كاملة على الامتحانات والدرجات والشهادات، ثم افترضنا أن هذه الأرقام تعكس حقيقة الإنسان الجالس خلفها. لكن التجربة الإنسانية كلها تقول غير ذلك.
كم من طالب كان الأول في صفه ثم لم يترك أثراً يذكر في الحياة؟
وكم من إنسان لم يكن متفوقاً في المدرسة بل ربما فشل فيها، لكنه غيّر مجرى العلم أو الاقتصاد أو السياسة أو الثقافة؟
المشكلة ليست في الامتحان بحد ذاته، بل في الاعتقاد أن الامتحان قادر على قياس كل شيء. فالامتحان يستطيع أن يقيس مقدار ما يتذكره الطالب في لحظة معينة، لكنه لا يستطيع أن يقيس فضوله، ولا شغفه، ولا قدرته على الابتكار، ولا قوة شخصيته، ولا مهاراته الاجتماعية، ولا أحلامه، ولا طريقته في فهم العالم ولا كيف يصنع القرار.
ومن هنا جاءت فكرة «مؤشر الوعي».
لكن بعض الأصدقاء الذين ناقشوا المشروع طرحوا سؤالاً مهماً للغاية: هل سنستبدل درجات الامتحان بدرجات جديدة اسمها درجات الوعي؟
والجواب: لا.
لأن الوعي أكبر من أن يُختصر برقم.
بل إن أحد أخطاء التعليم الحديث أنه اختزل الإنسان كله في أرقام.
درجة في الرياضيات.
ودرجة في العلوم.
ودرجة في اللغة.
ثم تصور أنه عرف الطالب.
بينما الحقيقة أن الطالب أكثر تعقيداً من كل هذه الجداول.
ولهذا فإن ما نفكر به في مشروع الرحلة الذكية ليس «مؤشر وعي» بالمعنى التقليدي، بل «خريطة وعي».
فالفرق كبير بين أن أحكم على الطفل وبين أن أفهمه.
في النظام التقليدي يحصل الطالب على 75 أو 85 أو 95 درجة وينتهي الأمر.
أما في النظام الذي نتخيله فإن المدرسة تبدأ بقراءة شخصية المتعلم نفسها.
هل يمتلك فضولاً معرفياً مرتفعاً؟
هل يحب الاكتشاف أم التلقي؟
هل يتعلم من خلال السمع أم المشاهدة أم التجربة؟
هل يمتلك ميولاً علمية أم فنية أم لغوية؟
هل يتقدم بسرعة في العمل الفردي أم في العمل الجماعي؟
ما الذي يثير اهتمامه؟
وما الذي يجعله ينفر من التعلم؟
إننا لا نبحث عن رقم جديد، بل عن فهم جديد للإنسان.
فروق فردية
وقد أثبتت علوم الدماغ الحديثة أن الأطفال لا يتعلمون بالطريقة نفسها، وأن الفروق الفردية بينهم أعمق بكثير مما كنا نتصور. كما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي بدأت تكشف يوماً بعد آخر أن تصميم مسار تعليمي واحد للجميع قد يكون من أكبر أخطاء المدرسة الحديثة.
فالطفل الذي يحب الرياضيات ليس نسخة من الطفل الذي يحب الموسيقى. والطفل الذي يتعلم بالمشاهدة ليس نسخة من الطفل الذي يتعلم بالتجربة.
والطفل الذي يبدع في حل المشكلات ليس بالضرورة متفوقاً في الحفظ والاستظهار.
ومع ذلك ما زلنا نعاملهم جميعاً بالطريقة نفسها.
إن الرحلة الذكية التي نتحدث عنها ليست منصة إلكترونية أو شاشة متطورة فحسب، بل محاولة لبناء ذاكرة معرفية ترافق الطالب منذ يومه الدراسي الأول. ذاكرة لا تجمع درجاته وميوله فقط ، بل ترصد تطور اهتماماته وقدراته وطريقته في التعلم ونقاط قوته وضعفه، لكي يصبح التعليم أقرب إلى فهم الإنسان منه إلى فرزه.
وهنا نصل إلى فكرة ربما تكون الأكثر أهمية.
فالمستقبل لن يحتاج إلى أشخاص يحفظون المعلومات، لأن الذكاء الاصطناعي سيستطيع الوصول إلى المعلومات أسرع من أي إنسان.
والمستقبل لن يكافئ أكثر الناس حفظاً.
بل أكثرهم قدرة على الفهم والتحليل والربط والإبداع واتخاذ القرار.
ولهذا فإن المدرسة القادمة يجب أن تتغير جذرياً.
يجب أن تنتقل من سؤال:
«كم يعرف الطالب؟»
وكم يتذكر؟
إلى سؤال أكثر عمقاً:
«كيف يفكر الطالب؟»
وكيف يقرر ؟
إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين تعليم الأمس وتعليم الغد.
وفي النقاشات التي دارت داخل المبادرة الوطنية للإصلاح برز اتفاق مهم على أن التعليم الذكي لا يبدأ من الأجهزة ولا من البرامج ولا من الشاشات، بل يبدأ من إعادة تعريف الإنسان الذي نريد بناءه.
فالدولة الذكية لا تبنى بخريجين يحملون شهادات أكثر، بل بمواطنين يمتلكون وعياً أكثر.
ولهذا فإن الرحلة الذكية ليست مشروعاً لتطوير الأثاث المدرسي، بل مشروعاً لإعادة اكتشاف الطفل العراقي نفسه.
أما كيف يمكن لهذه الرحلة أن تتعرف على أنماط التفكير والميول والقدرات، وكيف يمكن أن تتحول إلى رفيق معرفي يرافق الطالب طوال سنوات الدراسة، فذلك ما سنناقشه في الحلقة الثالثة. لأن الرحلة الذكية لا تقيس الوعي فقط... بل تبدأ أولاً بفهم الإنسان.