الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ابو الحصة

بواسطة azzaman

ابو الحصة

جهاد كاظم العكيلي

 

في نهاية الستينيات من القرن الماضي، كنا نستمتع بحكايات الناس التي تنشأ من تفاصيل حياتهم اليومية. آنذاك كان الريف العراقي خاضعًا، إلى حدٍّ كبير، لسلطة مُلّاك الأراضي والإقطاعيين، وكان الفلاح يعمل بكل ما يملك من جهدٍ وقوة لإرضاء المالك مقابل أجر بسيط مما ينتجه من المحصول الزراعي.

ومن الحكايات التي أدهشت الناس آنذاك حكاية الفلاح قاسم، الذي كان يحلم بمولود يفرح به. وقد تزامنت ولادة طفلته بعد يومين من استلامه أجر عمله الذي كان يُسمّى «الحصة»، وهي مقدار معين من المحصول الزراعي. ومن شدة فرحته أطلق على طفلته اسم «حصة»، ومنذ ذلك اليوم أصبح يُعرف بين الناس بلقب «أبو حصة».

ومع تقدّم الزمن، أخذ أبو حصة يتقلب مع تقلبات الوضع العام في العراق. وحاله حال أي فلاح عراقي يبحث عن رزقه في الحياة، ولم تكن أحواله بأفضل حال طوال العقود الماضية، إذ بقيت معيشته مرهونة باشتراطات الأنظمة والقوانين التي حكمت البلاد. ولم يسر العراق على وتيرة واحدة تقوده نحو ازدهارٍ وتطورٍ ينسجمان مع قدراته المادية والبشرية، بل ظلت مسيرته متعثرة، وكان الإنسان البسيط هو من يدفع الثمن دائمًا.

كبر أبو حصة، وكبر معه كثير من أمثاله، ولم يمنحهم الزمن فرصة بناء حياة أفضل لأبنائهم. بل توالت عليهم الصدمات مع كل واقع جديد، كما حدث خلال سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي، حين عانوا شحّ المواد الغذائية والجوع والألم والظلم والحرمان. آنذاك أصبحت الحصة التموينية شغلهم الشاغل، تسد رمق عيشهم وتحفظ لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة. وكان أبو حصة يتذوق مرارة تلك الأيام، ويستحضر في ذاكرته حصته القديمة حين كان فلاحًا يعمل تحت سلطة الإقطاع.

هكذا كانت أقدار الإنسان العراقي؛ سلسلة من الأحداث والذكريات التي لم تغادر ذاكرته، بل ظلت تلاحقه وتطرق أبواب وجوده الإنساني. فأصبح يعيش على الفتات رغم ما تزخر به بلاده من خيرات وثروات.

وبقي الفلاح قاسم، «أبو حصة»، قانعًا بما يمليه عليه الزمن، إلى أن استبشر العراقيون خيرًا بعد عام 2003، بما سمعوه من وعود وآمال كبيرة ستنزل عليهم من سماء الديمقراطية التي غطّت العراق. وكان يأمل أن تضع حدًا لأوجاع الحصة التموينية وشحّ مصادر العيش الأخرى، فراهن على هذا الزمن الجديد وعلّق عليه كثيرًا من أحلامه وأمنياته.

غير أن القدر سار في اتجاه آخر؛ فقد ازداد وجعه مع الحصة التموينية، وأخذت تشحّ عليه عامًا بعد آخر بسبب الفساد الذي امتدت أدواته إلى قوت الشعب كله. فتقلصت قيمتها كثيرًا، وأصبحت لا تتجاوز بضعة آلاف من الدنانير، لا تكاد تسد احتياجات الناس أو تعينهم على مواجهة أعباء الحياة.

وبقي أبو حصة يراقب الأمور بصمت، باحثًا عن أسباب ما يجري، متابعًا أحاديث الساسة والسياسيين وبرامج الحكومات التي تعاقبت على البلاد طوال سنوات عمره. وقد استوعب كل ذلك بفطرته البسيطة وسجيته الصافية، لكنه ظل يحمل همًّا واحدًا يلازمه ويؤرقه كل يوم، هو «الحصة السياسية» التي دخلت قاموس حياته، فأخذ يلعنها كلما تذكرها.

لقد ضاعت عليه فرصة السماء الديمقراطية التي ظن أنها ستحمل له الخير والرفاهية، فإذا بها تُبدد كثيرًا من الآمال، وتُضعف قيم العدالة التي ناضل من أجلها الأخيار والمصلحون، تاركةً أبا حصة يتأمل ما جرى بحسرة، وهو يتساءل: كم حصةً أخرى سيدفع ثمنها الإنسان العراقي قبل أن ينال نصيبه الحقيقي من الوطن؟ :::

 

 


مشاهدات 43
الكاتب جهاد كاظم العكيلي
أضيف 2026/06/13 - 1:27 PM
آخر تحديث 2026/06/13 - 2:39 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 639 الشهر 12437 الكلي 15887918
الوقت الآن
السبت 2026/6/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير