الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجزء الثاني من رواية (سفرة الى جهنم )

بواسطة azzaman

الجزء الثاني من رواية (سفرة الى جهنم )

الرحلة إلى الجحيم – تتمة (2)

بقلم عباس النوري العراقي

كانت معرفتي بشوارع المدينة محفورة في ذاكرتي كما تُحفر النقوش على الصخر. أعرف عدد الخطوات بين أول الطريق وآخر منعطف فيه، وأرى مبانيه كأنها تنبض أمامي. ازداد شغفي بالكتب بعد رحيل أبي؛ فقد كان هو كتابي الأثمن، يفتح لي كل ليلة صفحة جديدة من الحكايات التي كان يسردها بصوته الدافئ. وما إن غاب حتى صرت أبحث عن صوته بين السطور، أتعقب أثره في كل صفحة، وأتعلق بكل حكاية لعلها تعوضني عن دفء لم يعد.

تربّيت على السعي خلف المعرفة، والإنصات للحكمة أينما وُجدت. كنت مراهقاً مولعاً بحديث الشيوخ، أجلس عند أقدامهم كعطشان يترقب قطرة ماء. كنت أشبه جرواً ضائعاً يظن أن أول من تقع عليه عيناه هو أمه، أو كالصبي الذي ربّته دبّة فشبّ نصف حيوان، يقتات مما تقدمه الغابة، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الانتماء إلى عالم البشر.

بعد الرحيل الأبدي لوالدي، عرفت معنى الوحدة العميقة. لم أستطع يوماً أن أصدق أن موته صفحة طويت من حياتي. كنت أراه كلما احتجته، وأسمعه في أحلامي يجيب عن أسئلتي المؤجلة، ويصف مكانه بدقة… مكان بعيد حدّ الاستحالة.

---

وأعرف ـ أكثر من أي إنسان ـ كيف شعر ابني طوال تسعة عشر عاماً لم يرني فيها. تركت البلاد وهو في عمر ستة أشهر، فيما فقدتُ أنا والدي وأنا في الثالثة عشرة. كل ليلة كنت أسمع قصة من أبي، أما هو فلم يسمع حتى نبرة صوتي طوال تلك السنين.

وفي عام 1999 حدث اللقاء النادر… عناق واحد اختصر سنوات، دموع جعلت المسافة الجسدية تتلاشى، لكن المسافة بين روحينا بقيت بعيدة. شعرت باهتزاز غريب في داخلي، ورغبت في أن أضمّه كأب يشتاق لابنه، لكن اللقاء بدا كأول لقاء بين طفل متبنّى وأب لا يعرف كيف يبوح بحنانه… ولا طفل يعرف كيف يمد يده إليه.

---

مكثت في الأردن أسبوعاً أرتّب أوراقي مع السفارة السويدية. مرّ عامان بعد ذلك ولم يُسمح لابني باللحاق بي، فالقانون يعتبره راشداً… أما أنا فلا أزال أراه رضيعاً لم يكمل عامه الأول.

وعندما نتحدث هاتفياً، تتعثر الكلمات… فلا هو يعرف ماذا يقول، ولا أنا أجد ما أقوله. كثيراً ما أشكو من أمه بسبب شوقها الذي ينهش قلبها وقلقها عليه، ناسياً أنهما عاشا معظم عمرهما كتوأمين لا يفترقان. حصلت زوجتي على إذن الدخول… أما أولادي فقد تُركوا خلف الحدود.

افترقنا مرتين: مرة بيد سلطة بغداد، ومرة بيد قانون السويد. الأولى تشترط أن يكون الطفل راشداً ليغادر، والثانية تمنع الراشد من الدخول… فتُلقى عائلتي في فراغ بين عالمين، في "لا أرض"، في انتظار قَدَرٍ لا يُعرَف.

اضطررت لتهريب ابنتي، ولم أستطع فعل الشيء نفسه مع ابني. هذا العجز يمزقني، ويحيل قلقي إلى كابوس مستمر. إلى متى سأظل أقاتل من أجل حياة تجتمع فيها عائلتي تحت سقف واحد؟ من يقرر من هو "الأسرة"؟ أي قانون عليّ أن أتبعه؟ قانون الأرض التي ولدت عليها، أم الأرض التي لجأت إليها؟ لمن أنتمي؟ وأي شبر من هذه الدنيا يحتويني؟

لا أريد ملكية أرض؛ أنا فقط أريد مكاناً أعيش فيه… مكاناً يشبه حلمي الطويل عن الريف والطمأنينة.

---

توقفت السيارة فجأة، واقترب مني أحد صبية النظام بثيابه المدنية، يسحبني من المقعد ويدفعني نحو مبنى معتم. عبرنا المدخل وصعدنا الدرج حتى قال بفظاظة:

"اجلس هنا… واصمت. لا أريد أن أسمع صوتك."

شعرت ببرودة الأرض تسري في عظامي، فضممت ساقي المرتجفتين بين ذراعي وأسندت رأسي إلى ركبتيّ، أترقب المصير الذي ينتظرني. اقتربت من صديقي أبحث عن دفء يخفف رعشتي، بينما القلب يجهل ما حلّ بأخيه. حضور صديقي منحني شيئاً من الثبات، فخطوت أول خطوة داخل القاعة المزدحمة بوجوه مذعورة وهمسات متألمة…

(… يتبع)


مشاهدات 54
أضيف 2026/01/27 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 12:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 23 الشهر 21080 الكلي 13528503
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير