الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قرأتُ كتاب (رأيتُ اللـه)

بواسطة azzaman

قرأتُ كتاب (رأيتُ اللـه)

محمد خضير الانباري

 

وقعتْ عيني على تصفح كتابٍ (رأيتُ الله) للدكتورِ مصطفى محمود، فوجدتْ نفسي أمامَ عملٍ فكريٍ وروحيٍ يختلفُ عنْ الكتبِ الدينيةِ التقليدية، إذْ لا يقدمُ الإيمانُ بوصفهِ مسلمةً جاهزة، بلْ يفتحُ أمامَ القارئِ أفقًا للتأملِ العقليِ والروحي، ويصطحبهُ في رحلةِ بحثٍ صادقةٍ عنْ معنى الإيمانِ وحدودهِ وعلاقتهِ بالعقلِ يستندُ الكتاب، في جانبِ منه، إلى تجربةِ أحدِ كبارِ أعلامِ التصوف، وهوَ محمدْ بنْ عبدِ الجبارْ النفري، منْ خلالِ نصوصهِ المعروفةِ ب (المواقفُ والمخاطباتُ ) ، التي تعدُ منْ الركائزِ الأساسيةِ في الفكرِ الصوفي.

  ولا يكتفي المؤلفُ بنقلِ هذهِ النصوصِ أوْ شرحها، بلْ يتعاملُ معها بوصفها مدخلاً لطرحِ أسئلةٍ كبرى حولَ التصوف، والعشقُ الإلهي، وطبيعةُ العلاقةِ بينَ الإنسانِ وربه، جامعًا بينَ التحليلِ العقليِ والتأملِ الروحي.

  يعدّ الكتاب، منْ أبرزِ الأعمالِ الفكريةِ لمصطفى محمود، إذْ يؤكدُ فيهِ أنَ (رؤيةُ الله) لا تعني الرؤيةُ الحسيةُ أوْ البصرية، وإنما رؤيتهُ بالبصيرةِ والعقل، منْ خلالِ التأملِ في الكون، ودقةُ قوانينه، وانسجامَ نظامه. فالعلم، في نظرِ المؤلف، لا ينفي وجودَ الله، بلْ يكشفُ عنْ عظمته، والعقلُ الصادقُ لا يقفُ في مواجهةِ الإيمان، بلْ يقودُ إليه.

  يعرضَ الكاتب، بصدقٍ وشجاعة، رحلتهُ الشخصيةُ معَ الشكِ واليقين، موضحا أنَ اليقينَ الذي يولدُ منْ البحثِ والسؤالِ أعمقَ وأرسخَ منْ يقينِ موروثٍ لمْ يمحصْ بالفهم، كما ويتأملُ محتوى الكتابُ في ضعفِ الإنسان، وحيرتهُ الوجودية، وسعيهُ الدائمُ لفهمِ معنى الحياةِ وغايةِ الوجود. ويبرزَ الإيمانُ هنا بوصفهِ تجربةً إنسانيةً حية، تنمو معَ الوعي، وتتعمقَ معَ الزمن، ولا تنفصلُ عنْ التساؤلِ أوْ القلقِ الوجودي.

  يمتازَ أسلوبُ الكاتبِ بالجمعِ بينَ البساطةِ والعمق؛ لغةً هادئةً عقلية، تتخللها لمساتٌ أدبيةٌ وروحية، تطرحَ الأسئلةُ أكثرَ مما تقدمُ أجوبةً جاهزة، وتدفعَ القارئَ إلى المراجعةِ والتفكير. وتتجلى روحُ التصوفِ في بعضِ نصوصِ النفري التي يستحضرها المؤلف، مثل: (ربٌ أسألكُ ما ترضاهُ ) ، ( ربي … أنتَ في عينِ كلٍ ناظرٍ ) ، ( يا عبدي، إنَ لمْ تنظرْ إليَ في الشيءِ نظرتْ إليهِ فكنتَ غافلاً ) ، وغيرها منْ العباراتِ التي تعكسُ عمقَ الخطابِ الصوفيِ في مخاطبةِ الذاتِ الإلهية. ومنْ هذا المنطلق، يتجهَ التأملُ إلى واقعِ الإنسانِ وأقداره؛ فكثيرا ما يمرُ المرءُ بتجاربَ لا تتكشفُ حكمتها إلا بعدَ وقوعها، ليكتشف لاحقا أنَ ما ظنهُ شرا لمْ يكنْ إلا نعمةً مستترة.

وهكذا يقدمُ الكتابُ الإيمانُ بوصفهِ فهمًا متجدداً للحياة، لا هروبَ منْ أسئلتها، ويخلصَ إلى أنَ رحلةَ الشكِ الصادقِ والتساؤلِ الواعي تنتهي إلى اليقين، وأنَ معرفةَ اللهِ ليستْ نقيضا للعلم، بلْ ثمرةً تأملُ عميق في النفسِ والكون.


مشاهدات 67
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/01/27 - 5:01 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 12:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 21079 الكلي 13528502
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير