الغرق
علي البدر
كنتُ أتنفّس الهواء الممزّق بين الحروف، كأنَّ الحياة تتسرّب من صدري مع كل فاصلةٍ، لا أعرف كيف وصلتُ إليها. السطور تمتدّ كهاويةٍ بيضاء، حتى شعرتُ أن الأرضَ تميدُ بي، وأن العالمَ ينقلب إلى شيء لا يشبهني.
كائناتٌ تتنفّس الماء، وأرضٌ متموّجة، وعشبٌ داكن يلمع كأنّه خرج للتوّ من ليلٍ غريب. نظراتُ استغرابٍ تلتفّ حولي، وبين يديّ تتشابكُ الكلماتُ وتذوبُ، حتى غدت كلمةً واحدةً تكبرً وتدورُ بي، وتدفعني نحو فضاءٍ لا وزنَ له.
يا إلهي…ها أنا أختنق. لم أعهد هذا الهبوط، ولا هذا الماء الذي يصعد إلى صدري بدل الهواء. أحاول تذكّر شكلَ أنفاسي، فلا أجد إلا خفقةً تتلاشى وأخرى لا تأتي. شعرتُ بروحي تُفلت من أصابعي، ترتفعُ نحو السماء، فأيقنتُ أن لحظاتي الأخيرة تُكتَبُ الآنَ بلا مبالاة.
دفءٌ لا يشبه أيَّ دفءٍ امتدّ لأعماق صدري. أنفاسٌ ألِفتُها تنسابُ فوق وجهي، تعيدُ ترتيبَ الحياةِ وذراعان تضمانني. رفعتُ رأسي بصعوبة، فتلاقت نظراتُنا. كانت تبتسمُ كما لو أن الغرقَ لا يحدث في عالم يوجد فيه وجهها. انحنت قليلًا وهمست:
"أحبكِ، وهواءُ الكونِ يرهقُني، وأنفاسُكِ… بعد الموت يا حبيبتي تُحييني!"
قلت مذهولًا:
– ما هذا؟ أتحفظين قصائدي؟
ابتسمتْ كمن يعرفُ طريقَ النجاة وقالت: الآن يا وحيدي أيقنتُ أن أنفاسي تعيدُ اليكَ الحياة. موجةٌ قذفتكَ إلى صدري، ولكن احذر... أن تغرقَ بعمقِ قصائِدِكَ ثانيةً.