الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جسدٌ من حجر : قراءة في تجربة نحّات

بواسطة azzaman

جسدٌ من حجر : قراءة في تجربة نحّات

أسعد يوسف الصغير

 

في المنجز النحتي العراقي المعاصر، لا يظهر الجسد بوصفه كتلة مادية صامتة فحسب، بل ككيان دلالي مشحون بالذاكرة، والتاريخ، والأسئلة الوجودية. وفي تجربة النحّات علي نوري، يتجسد هذا البعد بأقصى درجاته كثافةً وصدقاً، حيث يتحول الجسد إلى حجر، ويتحوّل الحجر إلى شهادة إنسانية مفتوحة على الألم، والاغتراب والمنفى، والصمود. هنا، لا يعود النحت فعلاً تقنياً بقدر ما يصبح فعلاً وجودياً، يُستخرج من عمق التجربة العراقية المكسورة، ويُعاد تقديمه بلغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة.

منذ اللحظة الأولى لمواجهة أعمال علي نوري، يفرض الجسد نفسه بوصفه مركز الثقل البصري والفكري. جسدٌ ثقيل، متماسك، لكنه في الوقت ذاته مثقل بالندوب، والتشققات، والانحناءات غير المكتملة. إنه جسد لا يستعرض جماله، ولا يسعى إلى الإبهار الشكلي، بل يقدّم نفسه بوصفه بقايا إنسان، أو أثراً لإنسان مرّ من هنا وترك روحه عالقة في الحجر. هذا الاختيار ليس اعتباطياً، بل هو امتداد لرؤية فنية ترى في الجسد اختزالاً للهوية العراقية المعاصرة، بهشاشتها وقوتها في آنٍ واحد.

الحجر، بوصفه خامة أساسية في تجربة علي نوري، ليس مادة محايدة. إنه حجر الذاكرة، حجر الأرض الأولى، حجر الحضارات الرافدينية التي تعلّم فيها الجسد العراقي كيف يقاوم الزمن. غير أن هذا الحجر، في أعماله، لا يحمل صرامة النصب التذكارية التقليدية، بل يبدو أحياناً وكأنه على وشك الانهيار. التوازن الدقيق بين الصلابة والانكسار يمنح هذه الأجساد الحجرية توتراً داخلياً، يجعل المتلقي يشعر أن الكتلة تتنفس، وأن الصمت المحيط بها ليس إلا هدنة مؤقتة.

الجسد في منحوتات علي نوري غالباً ما يظهر في حالات سكون قصوى: وقوف متيبس، جلوس ثقيل، أو انحناءة توحي بالانكسار. لكنه سكون لا يعني الراحة، بل سكون ما بعد الصدمة. هذا الجسد لا يصرخ، ولا يحتج، لكنه يحمل في داخله تراكمات من الألم المؤجل. ومن هنا، يمكن قراءة هذه الأعمال بوصفها تأريخاً غير مباشر للعنف، لا من خلال تصويره المباشر، بل عبر آثاره على الجسد الإنساني.

اللافت في هذه التجربة أن الجسد نادراً ما يكون مكتمل التفاصيل. الوجوه غالباً مختزلة، أو مطموسة الملامح، وكأن الفنان يتعمّد نزع الفردية الشكلية لصالح هوية أوسع. هذا الطمس لا يُفقد الجسد حضوره، بل يعمّقه، إذ يتحول من جسد شخصي إلى جسد جمعي، يمثل الإنسان العراقي أينما كان. هنا، يصبح كل متلقٍ قادراً على أن يرى نفسه في هذه الكتلة الحجرية، أو أن يتذكر جسداً غائباً، أو حلماً مكسوراً.

الاغتراب والمنفى يشكّلان خلفية غير مرئية، لكنها حاضرة بقوة في أعمال علي نوري. فالجسد الحجري، رغم ثقله، يبدو في كثير من الأحيان وكأنه غير مستقر، أو معلق بين حالتين. هذا التعليق البصري يعكس حالة الفنان نفسه، الذي يحمل وطنه في ذاكرته، ويعيد تشكيله في فضاء آخر. المنفى هنا ليس مكاناً جغرافياً فقط، بل حالة نفسية تتجسد في انقطاع الجسد عن جذوره، وفي محاولته المستمرة لإعادة تعريف ذاته.

من الناحية الأسلوبية، لا ينتمي علي نوري إلى مدرسة نحتية واحدة بقدر ما يصوغ لغته الخاصة. فهو يستفيد من الإرث الكلاسيكي في فهم الكتلة والتوازن، لكنه يكسره بتشويه مقصود، وباختزال حاد، يقرّبه من حساسية النحت المعاصر. هذا التوتر بين التقليد والتجديد يمنح أعماله طابعاً زمنياً مركباً؛ فهي تبدو قديمة وحديثة في آن واحد، وكأنها خرجت من طبقات التاريخ لتواجه حاضرنا المضطرب.

الجسد في هذه الأعمال لا يُقدَّم بوصفه بطلاً، ولا ضحية مباشرة، بل ككائن استمر رغم كل شيء. وهذه الاستمرارية هي جوهر الرسالة الفنية لعلي نوري. فالحجر، مهما تشقّق، يبقى قائماً. والجسد، مهما انحنى، يظل محتفظاً بثقله ووجوده. هذا الإصرار الصامت يمنح الأعمال بعداً أخلاقياً، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

ولا يمكن إغفال العلاقة الدقيقة بين الفراغ والكتلة في هذه المنحوتات. الفراغ ليس مجرد مساحة تحيط بالجسد، بل عنصر فاعل يساهم في تشكيل المعنى. الفراغ يذكّرنا بما هو غائب، بما فُقد، وبما لم يعد قابلاً للاستعادة. الجسد الحجري يقف دائماً في مواجهة هذا الفراغ، وكأنه يحاول أن يملأه، أو على الأقل أن يعترف بوجوده.

في سياق الفن العراقي المعاصر، تمثل تجربة علي نوري امتداداً لمسار طويل اشتغل على الجسد بوصفه سؤالاً، لا إجابة. لكنها في الوقت ذاته تضيف إلى هذا المسار بعداً خاصاً، يتمثل في التعامل مع الجسد كأثر، لا كحدث. الأثر هنا هو ما يبقى بعد أن تهدأ العاصفة، وبعد أن يصمت الضجيج. وهو ما يمنح هذه الأعمال قدرة على الصمود أمام الزمن، بعيداً عن الموضات العابرة.

إن «جسد من حجر» ليس عنواناً مجازياً فحسب، بل توصيف دقيق لرؤية فنية ترى في الإنسان كائناً يتشكّل من ذاكرة وصلابة وألم. جسد لا يمكن فصله عن أرضه الأولى، حتى وإن ابتعد عنها. جسد يحمل وطنه في داخله، ويعيد نحته مرة بعد أخرى، في محاولة لفهم ما حدث، وما يحدث، وما قد يحدث.

في النهاية، تضعنا منحوتات علي نوري أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: ماذا يبقى من الإنسان بعد كل هذا الخراب؟ والجواب لا يأتي في كلمات، بل في كتل حجرية صامتة، تقف بثبات، وتقول لنا إن الجسد، حين يتحول إلى فن، يمكنه أن يصبح ذاكرة، وهوية، وشهادة لا تموت.


مشاهدات 50
الكاتب أسعد يوسف الصغير
أضيف 2026/01/27 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/01/28 - 12:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 21079 الكلي 13528502
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير